جار التحميل ...

الحرب بين إسرائيل وإيران تحرق لبنان فيما تشدد واشنطن المواجهة مع طهران

تبادل الضربات بين إسرائيل وإيران يدفع لبنان إلى قلب صراع إقليمي آخذ في الاتساع ويهدد توازنات الطاقة. في واشنطن، شدد دونالد ترامب لهجته داعياً إلى «استسلام غير مشروط» من جانب طهران، بل ولم يتردد في المطالبة بالمشاركة في تحديد خليفة المرشد الأعلى الإيراني المغتال.


يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية في بيروت، الخميس 5 مارس/آذار 2026. الصورة ل حسن عمار / أسوشيتد برس.

دخلت الحرب بين إسرائيل وإيران مرحلة جديدة يوم الجمعة مع تنفيذ إسرائيل ضربات متزامنة على طهران وبيروت، في وقت أطلقت فيه إيران موجة جديدة من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل وعدة دول خليجية تتمركز فيها قوات أمريكية.

اندلع الصراع بعد الضربات الإسرائيلية-الأمريكية التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أواخر فيفري، وقد أدى حتى الآن إلى مقتل ما لا يقل عن 1230 شخصاً في إيران، وأكثر من 200 في لبنان، ونحو عشرة في إسرائيل، وفق السلطات المحلية. كما قُتل ستة عسكريين أمريكيين.

في هذا النزاع الذي أصبح إقليمياً، يتحول لبنان إلى أحد أبرز مسارح التصعيد. فمنذ يوم الاثنين، أدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل 217 شخصاً وإصابة نحو 800، بينما ترك أكثر من 95 ألفاً منازلهم بعد قصف الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب البلاد.

وتحوّلت طرق العاصمة اللبنانية إلى مخيمات عشوائية، حيث تنام عائلات نازحة في سياراتها أو على الأرصفة.

وتسارع التصعيد عندما أطلق حزب الله، حليف طهران، يوم الاثنين صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ أكثر من عام، رداً على الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي ضد إيران. وردت إسرائيل بحملة جوية لا تفرق بين البنى التحتية التابعة للحركة الشيعية في بيروت وجنوب لبنان وباقي السكنات.

وعلى الجبهة الإيرانية، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه حشد أكثر من 50 طائرة مقاتلة و100 ذخيرة لتدمير مخبأ تحت الأرض مخصص لقادة إيرانيين. كما استُهدفت عدة منشآت رئيسية، بينها مبنى المجلس الأعلى للأمن القومي وأكاديمية تابعة للحرس الثوري.

واشنطن تزيد الضغط على طهران

بالتوازي مع ذلك، كثّفت الولايات المتحدة انخراطها العسكري. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها دمرت سفينة إيرانية كانت تنقل طائرات مسيّرة، فيما أغرقت غواصة أمريكية فرقاطة إيرانية في المحيط الهندي قرب سريلانكا. وكانت السفينة تُستخدم كسفينة تدريب لطلاب البحرية الإيرانية وكانت بعيدة عن قلب المعارك. وأسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 87 شخصاً. وقد تعهدت السلطات الإيرانية بالثأر لضباطها المتدربين.

ويقف دونالد ترامب في قلب هذه الاستراتيجية، حيث يتجه خطابه تجاه طهران إلى مزيد من التشدد. ففي رسالة نشرها الجمعة، استبعد الرئيس الأمريكي أي مفاوضات دون «استسلام غير مشروط» من إيران. وقال: «بعد ذلك… سنعمل على إعادة إيران من حافة الدمار»، مختتماً بشعار مستوحى من حملته: «لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى».

بل ذهب ترامب إلى حد الإيحاء بأن واشنطن قد تشارك في اختيار القائد الإيراني المقبل، وهو تصور واسع للغاية لمفهوم السيادة الإيرانية حتى بالمقارنة مع تقاليد التدخل الأمريكية.

في واشنطن، يسعى البيت الأبيض إلى تأمين المجهود الحربي. ومن المقرر أن يلتقي الرئيس بمسؤولين من شركات للصناعات العسكرية، من بينهم شركات لوكهيد مارتن، نورثروب غرومان، آر تي إكس كوربوريشن، بوينغ وهانيويل، بهدف تسريع تسليم الأسلحة. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل «أكثر من ما يكفي من الذخائر والأسلحة» لمواصلة العمليات في الشرق الأوسط.

دعوات لخفض التصعيد دون أدوات ضغط

تداعيات الصراع باتت تتجاوز بكثير المجال العسكري. ففي إسرائيل، تفرض السلطات رقابة صارمة على نشر الصور المرتبطة بالضربات الإيرانية، وتقيّد نشر الصور التي تُظهر حجم الأضرار أو الخسائر. وتقول الإمارات العربية المتحدة إنها اعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة، بينما تنظم عدة دول عمليات إجلاء لرعاياها.

دبلوماسياً، لا تزال ردود الفعل متفرقة. ففي باريس، أعلن إيمانويل ماكرون إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول، وتحدث عن تشكيل تحالف لتأمين الممرات البحرية في الخليج — وهي مبادرة تعني عملياً المشاركة في العدوان على إيران تحت غطاء حماية التجارة العالمية للطاقة. وفي أوروبا، تسمح بعض الحكومات مثل البرتغال لواشنطن باستخدام قواعدها العسكرية، بينما ترفض دول أخرى، وعلى رأسها إسبانيا، ذلك. أما في موسكو وبكين فتتكرر الدعوات إلى ضبط النفس، من دون أن تبرز أي وساطة موثوقة.

أمام خطر اندلاع صراع إقليمي واسع وصدمة محتملة في أسواق الطاقة العالمية، تدعو الأمم المتحدة إلى خفض فوري للتصعيد. لكن على الأرض، تشير الضربات المتبادلة والتهديدات بالانتقام إلى أن المواجهة بين إسرائيل وإيران — التي امتدت الآن إلى لبنان — قد تدخل مرحلة أكثر صعوبة في الاحتواء.