في بلدٍ تظل فيه سوق الإعلانات محدودة، يشكّل توزيع هذه الميزانيات أحد أهم أدوات التوازن — أو الضغط — على اقتصاد وسائل الإعلام.
سوق الإعلانات في الجزائر متواضعة إلى درجة أنها لا تظهر حتى كسوق مستقلة في قواعد البيانات الدولية الكبرى للقطاع، مثل WARC Adspend Database أو Insider Intelligence (eMarketer). ومع ذلك، فقد كانت هذه السوق لفترة طويلة كافية لإعالة جزء من الصحافة ومنظومة وكالات الاتصال.
وبحسب شركة Strategy& (شبكةPwC)، من المتوقع أن يبلغ حجم سوق الإعلام والترفيه — الذي يشمل الإعلانات والتلفزيون والبث الرقمي والألعاب والسينما والموسيقى — في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 18 مليار دولار بحلول عام 2028، مقابل 15 مليار دولار في 2024. وتمثل الإعلانات أكثر بقليل من نصف عائدات هذا القطاع (51%). وتستحوذ السعودية والإمارات العربية المتحدة بالفعل على64% من هذه السوق، ومن المتوقع أن تصل حصتهما إلى 66%، ما يترك أقل من ثلث العائدات لبقية أسواق المنطقة — بما فيها الجزائر.
ومع ذلك، تقدّر عدة دراسات في القطاع حجم سوق الإعلانات الجزائرية بحوالي 200 مليون دولار سنويًا، وهو حجم متواضع على المستوى الدولي لكنه مهم في بلد لا تمتلك فيه وسائل الإعلام الخاصة مصادر تمويل أخرى كثيرة. وحتى نهاية العقد الثاني من الألفية، كان ما يقرب من نصف هذه السوق يمر عبر الإعلان المؤسساتي، الذي كانت توزعه أساسًا المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار (ANEP) في شكل إعلانات قانونية وحملات إعلامية للشركات العمومية.
ثم جاء عام 2019، وهو عام مفصلي في الحياة السياسية الجزائرية. ففي أعقاب التحولات السياسية وحراك الشارع، اكتسبت الإعلانات وظيفة تنظيمية أكثر وضوحًا داخل المشهد الإعلامي. أصبح هناك «ما قبل» و«ما بعد». قبل ذلك، كانت الشركات العمومية ما تزال توكل جزءًا من ميزانيات الاتصال الخاصة بها إلى وكالات خاصة وإلى شبكات بيع إعلانات مستقلة. أما بعد ذلك، فقد ضاقت الدائرة: جرى مركزة الميزانيات المؤسساتية، وأخذت الإعلانات العمومية طابع أداة دعم — أو عقاب — سياسي.
الرقمنة: بديل وهمي
في الوقت نفسه، تقلّصت سوق القطاع الخاص. فالشركات الوطنية الكبرى تستثمر أقل في الإعلانات التقليدية، كما خفّضت عدة مجموعات ميزانيات التسويق الخاصة بها. وبعض الشركات العمومية التي كانت تسند سابقًا حملات إلى وكالات خاصة أصبحت تمرّر الآن نفقات الاتصال الخاصة بها حصريًا عبر ANEP، ما حوّل الوكالة تدريجيًا إلى ممر إجباري لأي نشر إعلاني مؤسساتي.
أما الشركات المتعددة الجنسيات فسلكت مسارًا آخر. فبدل الاندماج في سوق إعلامية محلية أصبحت أكثر غموضًا، نقلت جزءًا متزايدًا من ميزانياتها إلى التسويق الرقمي، من خلال شراء مساحات إعلانية مباشرة على المنصات العالمية الكبرى — مثل Meta و YouTubeوGoogle.
وبالنسبة لوسائل الإعلام الجزائرية، لا تمثل هذه الهجرة نحو الإعلان الرقمي بديلاً اقتصاديًا حقيقيًا. فمعظم الاستثمارات الإعلانية الرقمية تُشترى مباشرة على المنصات العالمية — أساسًا Meta وGoogle — في إطار حملات إقليمية أو عالمية. ولا تحصل وسائل الإعلام المحلية إلا على حصة هامشية منها، غالبًا عبر برامج آلية مثل Google AdSense، التي تبقى عائداتها محدودة. وعلى خلاف الاتحاد الأوروبي أو أستراليا، لا تمتلك الجزائر إطارًا قانونيًا يلزم المنصات الرقمية الكبرى بدفع مقابل للناشرين الصحفيين لقاء استخدام محتواهم.
اقتصاد العقاب
أدّى هذا التحول المزدوج — المتمثل في تراجع حضور القطاع الخاص من جهة، والتحول نحو الإعلان الرقمي العالمي من جهة أخرى — إلى نتيجة مباشرة: جفاف السوق الإعلانية المحلية. وفي هذا السياق الأكثر ضيقًا، أصبحت ANEP ليست فقط الموزع الرئيسي للإعلانات، بل أيضًا مرجعًا لا يمكن تجاوزه. فوسائل الإعلام التي تملك اتفاقية مع الوكالة تُعد «مقبولة» لدى المعلنين. أما الأخرى فتتحول إلى رهانات محفوفة بالمخاطر، مهما كانت نسبة متابعتها أو جودة محتواها.
ويجسد مثال صحيفة الوطن (El Watan) الناطقة بالفرنسية الدور التنظيمي الذي يمكن أن تلعبه الإعلانات العمومية في سوق إعلامية ضيقة. ففي سنوات 2010، كانت الصحيفة من بين المؤسسات الصحفية الأكثر متانة في البلاد: ففي عام 2013 حققت 1.3 مليار دينار رقم أعمال، وقرابة 300 مليون دينار أرباحًا. لكن تدهور علاقاتها مع السلطات — بسبب خطها التحريري الذي اعتُبر ناقدًا — إضافة إلى حذر المعلنين الخواص الساعين إلى حماية مصالحهم الاقتصادية، أدّى تدريجيًا إلى تجفيف مواردها.
وحرمان الصحيفة من الإعلانات المؤسساتية التي توزعها ANEP — والتي أصبحت عنصرًا مركزيًا في اقتصاد الصحافة — أدى إلى إضعافها بشدة. ففي 2025 بقي موظفوها ثمانية أشهر دون رواتب. ويظهر عودة الإعلانات العمومية مؤخرًا إلى صفحاتها، بعد سنوات من الغياب، مدى قدرة الوصول إلى الإعلانات المؤسساتية في هذا النظام على العمل كأداة عقاب — أو إعادة إدماج — اقتصادي.
في سوق ضيقة مثل السوق الجزائرية، لا تمثل الإعلانات العمومية مجرد مصدر دخل، بل أيضًا إشارة للمعلنين الخواص حول وسائل الإعلام التي تعتبر «آمنة». فالشركات التي تستثمر في الإعلان تدرك أن حملة إعلامية قد تكون لها تبعات اقتصادية — بل وسياسية أيضًا. لذلك يُفضَّل تجنب الوسائط التي قد تثير توترات مع السلطات. ويجسد متعامل الهاتف Ooredoo — أحد المعلنين الخواص الكبار القلائل الذين ما زالوا نشطين — هذا الحذر، إذ تتركز استثماراته الإعلانية عادة في وسائل إعلام متوافقة مع التوازن السياسي السائد.
وليس حذر المعلنين الخواص جديدًا. فقد سُجلت واقعة شهيرة حين حذّر وزير الاتصال السابق حميد قرين علنًا وسائل الإعلام التي اعتُبرت ناقدة، خلال حدث نظمته شركة Ooredoo، وهو ما أثار جدلًا واسعًا آنذاك.
ومع ذلك، كان النظام خلال رئاسة عبد العزيز بوتفليقة يحتفظ ببعض هوامش التنفس: فرغم التوترات السياسية، استمرت عدة وسائل إعلام في العمل واستقطاب عائدات إعلانية. لكن السياق أصبح منذ ذلك الحين أكثر انغلاقًا. ففي مشهد إعلامي أضيق وتنظيم أكثر مركزية، أصبحت الوسائل النقدية أكثر هشاشة اقتصاديًا، بينما أُدين الوزير السابق نفسه لاحقًا في قضية مرتبطة بتسيير الإعلانات العمومية.
مركز الثقل الجديد للنظام
في أماكن أخرى من العالم، تميل وكالات الإعلانات إلى تقديم نفسها باعتبارها مصانع للأفكار والخيال. فهي تروّج للجرأة والإبداع، وتسوّق لفكرة أن بعض الصور المختارة بعناية قادرة على تحويل علامة تجارية عادية إلى ظاهرة ثقافية. أما في الجزائر، فللإعلان وظيفة أكثر حسمًا: فهو يشارك في بناء البنية السياسية للمشهد الإعلامي نفسه.
وفي قلب هذا النظام تقف المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار (ANEP). فقد أُنشئت سنة 1967، وتُكلف رسميًا بإدارة وتوزيع الإعلانات المؤسساتية للدولة ولعدد كبير من الشركات العمومية. وفي بلد يبقى فيه السوق الإعلاني الخاص محدودًا نسبيًا، تمنحها هذه المهمة دورًا فريدًا: فهي تعمل في آن واحد كوكالة إعلانية، ووسيط اقتصادي، ومركز ثقل في تمويل وسائل الإعلام.
وتندرج هذه المركزية في نظام الإعلان ضمن إعادة تنظيم أوسع لجهاز الاتصال الحكومي. إذ أصبح هذا الجهاز يُدار الآن من رئاسة الجمهورية تحت إشراف مستشار الاتصال كمال سيدي سعيد. وقد جاء قانون المالية لعام 2025 بترجمة مالية لهذا التوجه: فالمادة 214 تعدّل حساب التخصيص الخاص رقم 302-051، الذي أصبح تحت سلطة المدير العام للاتصال في الرئاسة. كما منح مرسوم رئاسي صادر في 25 أفريل 2024 هذا المسؤول وصاية على جميع المؤسسات العمومية في القطاع، بما في ذلك الهيئات السمعية البصرية والوكالة الإعلانية العمومية. وبذلك انتقل مركز الثقل المالي للقطاع إلى الرئاسة التي تفصل في توزيع الموارد بين وسائل الإعلام المستفيدة.
الوكالات في اقتصاد مُسير
في الاقتصادات التي يهيمن فيها المعلنون الخواص — الشركات متعددة الجنسيات، وسلاسل التوزيع الكبرى، وعمالقة التكنولوجيا — تعيش وسائل الإعلام أو تموت وفق حجم جمهورها. أما في الجزائر فالمعادلة مختلفة، فالوصول إلى ميزانيات الإعلانات المؤسساتية لا يقل أهمية عن عدد القراء.
الآلية بسيطة وفعالة بشكل لافت. فالوزارات والشركات العمومية والمؤسسات الكبرى تسند حملات الإعلام أو الترويج إلى البنية المركزية. ثم تعيد هذه الأخيرة توزيع الميزانيات الإعلانية على الصحف والقنوات والمنصات الرقمية. ويُقدم هذا المسار باعتباره ترشيدًا إداريًا لكن في سوق إعلامي محدود، ينشأ واقع اقتصادي مختلف: إذ تتحول الدولة إلى أكبر معلن في البلاد، بينما تصبح السلطة الحاكمة هي الجهة التي تتحكم في توزيع هذه الميزانيات.
هذا الدور لا يشكّل وسائل الإعلام فقط، بل أيضًا منظومة وكالات الاتصال. فقد تطورت عدة هياكل خلال السنوات الماضية للعمل في هذا المجال الذي يلتقي فيه التسويق بالمؤسسات العمومية.
ومن بينها MediAlgeria، وهي مجموعة تأسست عام 2002 وغالبًا ما تُقدَّم كواحدة من أهم مراكز شراء المساحات الإعلانية في البلاد. وإلى جانب هؤلاء الفاعلين المحليين، توجد أيضًا بعض الوكالات المرتبطة بالشبكات الدولية الكبرى — مثل TBWA وMcCann وDDB و Ogilvy — التي تؤثر أساليبها ومعاييرها الإبداعية في جزء من السوق الجزائري.
لكن في نظام تهيمن عليه الإعلانات المؤسساتية، لا تكمن المهارة الحاسمة في الإبداع فقط، بل أيضًا في القدرة على التنقل داخل البنية الإدارية التي تنظّم توزيع الميزانيات الإعلانية.
وقد كانت هذه البنية أحيانًا محور جدل. فـقضيةANEP ، التي أدت إلى عدة إجراءات قضائية في السنوات الأخيرة، سلطت الضوء على التوترات المرتبطة بإدارة الإعلانات العمومية وعلى المبالغ الكبيرة — مليارات الدنانير — التي تتداول داخل هذا القطاع.
أرقام إعادة التوزيع
لكن بعيدًا عن القضايا القضائية، يواصل النظام عمله بكفاءة شبه صامتة. ففي سوق إعلامي تبقى فيه العائدات الخاصة محدودة، تدرك وسائل الإعلام أن الإعلانات العمومية غالبًا ما تشكل موردًا أساسيًا. وهذه التبعية تخلق علاقة خاصة بين المعلومة والتمويل.
فالإعلان يمول وسائل الإعلام، لكنه يساهم أيضًا في توجيهها. فالإعلان بطبيعته صناعة إقناع. أما في الجزائر، فهو أقرب إلى بنية تحتية — وككل بنية غير مرئية، يمارس تأثيره دون الحاجة إلى الظهور.
ويظهر عمل هذا النظام بوضوح في توزيع الإعلانات القانونية التي تُنشر في الصحف والمواقع الإخبارية وتديرها ANEP. ففي المنصات الرقمية، تُسعَّر صفحة الإعلانات القانونية بحوالي 52 ألف دينار إجماليًا (نحو 36 ألف دينار صافيًا بعد العمولات والضريبة). وخلال الأسابيع الأخيرة، تشغل هذه الإعلانات ما يصل إلى ست صفحات في الإصدار الواحد في بعض المواقع المستفيدة. وبهذا السعر يمكن لوسيلة إعلامية أن تحصل على حوالي 312 ألف دينار يوميًا. وإذا ما احتُسب ذلك على نحو ثلاثين منصة تقريبًا، فإن النظام يمثل قرابة 10 ملايين دينار تُوزع يوميًا، أي ما يعادل نحو 1.5 مليون دولار شهريًا لحوالي عشرين إصدارًا.
ولا تشمل هذه المبالغ الحملات التجارية لبعض الشركات العمومية الكبرى، خصوصًا في قطاع الاتصالات — مثل Mobilis و Djezzy وAlgérie Télécom — التي تمثل تدفقًا إعلانيًا إضافيًا.
وتجري هذه العملية في سياق تتحول فيه الجماهير بسرعة نحو الإنترنت. فالجزائر تضم اليوم أكثر من 30 مليون مستخدم للإنترنت ونحو 25 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، ويظل فيسبوك البوابة الرئيسية للوصول إلى الأخبار. لكن رغم التحول السريع للجمهور نحو الفضاء الرقمي، تبقى بنية العائدات إلى حد كبير خاضعة لمنطق إداري. وفي مثل هذا النظام، لا يعود الإعلان مجرد سوق اقتصادية، بل يتحول إلى أداة من أدوات الحكم، حيث يرتبط الوصول إلى الميزانيات بدرجة أقل بحجم الجمهور، وبدرجة أكبر بمستوى القرب أو الولاء السياسي.