جار التحميل ...

بلدنا في الجزائر: قراءة في بنية استثمار مُعلن

أُُعلن عن مشروع بلدنا في الجزائر على أنه استثمار أجنبي بقيمة 3.5 مليارات دولار، لكنه يُجسّد في الواقع الفجوة المتكررة بين الخطاب السياسي والحقيقة المالية. ففحص الحسابات يُظهر أن هيكل التمويل يعتمد إلى حدٍّ كبير على المديونية المحلية، مع مساهمة محدودة فقط من حيث رأس المال الأجنبي.


عندما يتم الإعلان عن مشروع استثمار أجنبي مباشر بقيمة 3.5 مليارات دولار، يهدف إلى تطوير سلسلة متكاملة لإنتاج الحليب في الجزائر، فإن ذلك يثير بطبيعة الحال حماسًا سياسيًا وتوقعات اقتصادية كبرى في بلد يبحث عن رؤوس الأموال. غير أن التدقيق في الوثائق المالية المتاحة يروي قصة أكثر تعقيدًا، بل وأكثر مألوفية.

فالحسابات المالية لشركة بلدنا ش.م.ق.ع، كما هي في 30 سبتمبر 2025، تقدّم معطى جوهريًا أوليًا. إذ تظهر أن فرعها الجزائري، بلدنا الجزائر ش.ذ.أ، يتمتع برأسمال قدره 55.55 مليون ريال قطري، أي ما يعادل نحو 15 مليون دولار، تمتلك المجموعة القطرية 51% منه. وبعبارة أخرى، فإن المساهمة الرأسمالية الفعلية المنسوبة مباشرة إلى المستثمر الأجنبي لا تتجاوز في هذه المرحلة ما بين 7.5 و8 ملايين دولار.

غالبًا ما تُبنى المشاريع الصناعية الكبرى على شركات ذات رؤوس أموال محدودة وتعتمد بدرجة كبيرة على المديونية. وإن كان هذا الأسلوب شائعًا في الهندسة المالية، فهو يكشف مع ذلك عن فجوة جوهرية بين الخطاب السياسي المصاحب للاستثمار وبين حقيقته المالية الفعلية.

كلفة المشروع، الاستثمار الأجنبي المباشر، والرافعة المالية المحلية

إن هذا التباين الظاهر بين إعلان بمليارات الدولارات ورأسمال متواضع لا يُعد في الواقع أمرًا استثنائيًا. فهو يعكس خلطًا شائعًا في النقاش العام بين كلفة المشروع الإجمالية (CAPEX) وبين حجم الاستثمار الأجنبي المباشر كما يُقاس وفق المعايير المحاسبية الدولية. فالأولى تتعلق بالتقديرات والتصورات المستقبلية، في حين يشير الثاني إلى المساهمات الفعلية في رأس المال والقروض داخل المجموعة.

وفي حالة بلدنا، كانت السلطات قد أوضحت منذ البداية أن تمويل المشروع سيعتمد مناصفة على البنوك الجزائرية وعلى مساهمي الشركة المشتركة، المملوكة بنسبة 49% للصندوق الوطني للاستثمار و51% لبلدنا القطرية. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من مبلغ 3.5 مليارات دولار المعلن عنه كان من المفترض، منذ البداية، أن يُموَّل محليًا بالدينار الجزائري، وبالتالي خارج ميزان المدفوعات.

وتعزز البيانات المجمّعة للمجموعة القطرية هذا التحليل. فبإجمالي أصول يناهز 5.6 مليارات ريال قطري، أي نحو 1.5 مليار دولار، تبدو بلدنا شركة متينة ولكن متوسطة الحجم. ومن غير الواقعي ماليًا أن يُتوقع من شركة بهذا الحجم أن تنفذ، في الأمد القصير، استثمارًا أجنبيًا يفوق ضعف قيمة أصولها. وإذا ما تم تنفيذ المشروع الجزائري بالكامل، فلن يكون ذلك إلا من خلال اعتماد كبير على المديونية وعلى تنفيذ تدريجي للمشروع.

سابقة أوراسكوم ومسألة المخاطر

هذه البنية التمويلية ليست فريدة من نوعها. فهي تذكّر بسابقة معروفة في الجزائر، هي حالة أوراسكوم في مطلع الألفية، حيث أخفت الإعلانات الضخمة حول الاستثمارات الأجنبية واقعًا أكثر تواضعًا، قوامه تمويلات محلية وضمانات عمومية ضمنية وتدفقات رأسمالية أجنبية أقل بكثير مما كان يُعلن عنه.

وفي الحالة الراهنة، لا تُظهر الحسابات المالية أي زيادة جوهرية في رأس المال ولا قروضًا داخلية كبيرة الحجم من شأنها أن ترفع قيمة الاستثمار الأجنبي بالمعنى الدقيق. أما الجزء المتبقي من التمويل، فيُرجّح أن يأتي من ديون محلية، مضمونة بأصول موجودة في الجزائر، ومرتبطة بإيرادات مستقبلية غالبًا ما تكون مؤمّنة عبر آليات عمومية، مثل الأسعار الإدارية أو دعم الطاقة أو تسهيلات النفاذ إلى الموارد المائية.

وعليه، تصبح المسألة الأساسية أقل ارتباطًا بصدق الإعلانات وأكثر تعلقًا بجودة التركيب المالي نفسه. فإذا كان العبء الأكبر من المخاطر المالية يقع على عاتق البنوك العمومية الجزائرية، في حين يحدّ المستثمر الأجنبي من المخاطرة بأمواله، فإن توزيع الأرباح والخسائر يستوجب تدقيقًا جديًا. فالتدفقات المستقبلية، سواء تعلّق الأمر بتوزيع الأرباح أو بتحويلها إلى الخارج أو باستيراد التجهيزات، سيكون لها أثر اقتصادي كلي حقيقي، بصرف النظر عن حجم الاستثمار الأجنبي المعلن.

ما بعد الإعلانات: اختبار الواقع

في نهاية المطاف، تبرز خلاصة واضحة: وهو أن مشروع بلدنا لا يمثل في وضعه الحالي استثمارًا أجنبيًا مباشرًا بقيمة 3.5 مليارات دولار، بل مشروعًا صناعيًا زراعيًا يُموَّل في معظمه محليًا، مع مساهمة محدودة في رأس المال من الطرف الأجنبي في هذه المرحلة. وهذا لا ينتقص من إمكاناته الإنتاجية، لكنه يفرض مراجعة السردية المحيطة به.

وبالنسبة للجزائر، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تضخيم أرقام الإعلانات، بل في قياس ما يدخل فعليًا من عملة صعبة، وما يُموَّل محليًا، ومن يتحمل في النهاية عبء المخاطر. فالمحاسبة، أكثر من الخطابات، تبقى أفضل وسيلة لتفادي الأوهام البصرية. وفي الاقتصاد كما في تربية الماشية، لا تُقاس النتائج بالوعود، بل ما يتم فعليًا تغذيته وتمويله وتحمل أعبائه.