جار التحميل ...

رهان الفوسفات: اختبار جديد لقدرة الجزائر على التغيير

تراهن الجزائر على الفوسفات لإعادة صياغة نموذجها الاقتصادي وتعزيز وزنها الاستراتيجي، في سياق تتقاطع فيه الطموحات الصناعية مع المصالح الجيوسياسية وتحديات الحوكمة.


لطالما ظلّ الاقتصاد الجزائري قائمًا على تصدير المحروقات، غير أنّه يستعد اليوم للدخول في أحد أكثر مشاريعه الصناعية طموحًا، من خلال الرهان على تثمين موارده الضخمة من الفوسفات باعتبارها رافعة لتنويع الاقتصاد. فمشروع الفوسفات المدمج — الذي تقوم عليه شراكات متعددة، لا سيما مع مجموعات صينية — يعكس توجّهًا نحو الصعود في سلاسل القيمة وإعادة تموضع البلاد ضمن التوازنات الصناعية الإقليمية.

غير أنّ تعدّد الإعلانات، المتزامنة والمتنافسة أحيانًا، يكشف عن مرحلة انتقالية لم تستقر بعد، و أغلب الظن أن أغلب المشاريع لن ترى النور. وفي هذا السياق، يبرز مشروع الفوسفات الجزائري كمؤشر كاشف، يسلّط الضوء في آنٍ واحد على سعي الدولة إلى تنويع اقتصادها، وعلى الحركية الاستراتيجية للشركات الصينية، وعلى عودة المواد الأولية إلى صدارة أدوات النفوذ الجيو-اقتصادي.

فأكثر من كونه مشروعًا منجميًا، يشكّل الفوسفات اختبارًا فعليًا لقدرة الجزائر على تحويل مورد طبيعي إلى أداة لتقليص التبعية الخارجية في حلقات أساسية من سلسلة القيمة.

مكامن غير مستغلة منذ عقود

تضمّ الجزائر أحد أكبر الأحواض الفوسفاتية غير المستغلة في العالم، لا سيما في منطقتي تبسة وبئر العاتر وجبل العنق. وتُقدَّر احتياطياتها بعدة مليارات من الأطنان، وقد عُرفت منذ الحقبة الاستعمارية، غير أنها لم تُدمج يومًا في مسار صناعي متكامل. واقتصرت الاستفادة منها لعقود على تصدير المواد الخام، دون تحقيق قيمة مضافة من خلال التحويل الكيميائي (حمض الفوسفوريك، الأسمدة، المركّبات الزراعية).

وفي هذا السياق، يكتسب البعد الرمزي للمشروع دلالة خاصة. ففي ماي 2024، أصدرت مؤسسة بريد الجزائر طابعًا بريديًا يُخلّد منجم الفوسفات ببئر العاتر بولاية تبسة. وقد عُرض هذا الطابع بوصفه احتفاءً بتراث معدني وطني، مبرزًا موقع المنجم واحتياطاته المقدّرة بنحو 890 مليون طن.

غير أنّ هذا التتويج الرمزي يسبق في الواقع تحقيق الإنجاز الصناعي المأمول. إذ تحوّل الطابع إلى علامة سردية تُدرج الفوسفات في الذاكرة الوطنية، قبل أن يتحقق فعليًا إدماجه في سلسلة إنتاج مكتملة. ويكشف ذلك عن مقاربة تُقدِّم السرد والرمزية على التنفيذ الفعلي، في تعبير عن نمط متكرر في إدارة المشاريع الكبرى.

وفي ظل التوترات التي تشهدها أسواق الأسمدة عالميًا، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، عاد الفوسفات ليحتل موقعًا استراتيجيًا. فالأمن الغذائي، والسيادة الزراعية، والدبلوماسية الاقتصادية باتت رهانات محورية، ما يجعل من هذا المورد أكثر من مجرد مادة أولية، بل أداة نفوذ حقيقية.

هندسة صناعية على نطاق واسع

يرتكز المشروع الجاري دراسته على تصور متكامل يجمع بين استخراج الخام، وتحويله كيميائيًا، وإنتاج الأسمدة (DAP، MAP، NPK، اليوريا)، إلى جانب تطوير بنى تحتية لوجستية ومينائية موجهة للتصدير نحو إفريقيا وجنوب أوروبا وآسيا.

وهذه الرؤية الشاملة هي ما يفسّر اهتمام مجموعات صينية كبرى متخصصة في المشاريع الصناعية العملاقة. فشركة China National Chemical Engineering (CNCEC)، عبر فرعها Wuhuan، تضطلع بدور محوري في التصميم الهندسي للمشروع، مستندة إلى خبرتها في المجمعات الفوسفاتية. كما تشارك شركة Tian’an Chemical، التابعة لمجموعة Yuntianhua، بخبرتها في التحويل الكيميائي والتسيير الصناعي المتكامل. وإلى جانب ذلك، كانت مجموعة CITIC Construction  قد أرست منذ سنة 2018 الأسس الأولى لمشروع متكامل تُقدَّر كلفته بأكثر من 10 مليارات دولار، ما يعكس اهتمامًا صينيًا مبكرًا واستراتيجيًا بهذا القطاع.

ومؤخرًا، عزز دخول شركة Asia Potash، بمشروع تُقدَّر قيمته بنحو 1.6 مليار دولار، الطابع التنافسي لهذا الملف، مؤكّدًا أن الأمر لم يعد مجرد تصور نظري، بل مجال استثمار فعلي تتقاطع فيه مصالح عدة فاعلين دوليين.

غير أنّ هذه الديناميكية، على أهميتها، لا تضمن بحد ذاتها نجاحًا مستدامًا. فتجارب دول أخرى غنية بالموارد تُظهر أن حجم الاستثمارات وحده لا يكفي، وأن نجاح التحول الصناعي مرهون بصلابة الحوكمة، ووضوح الرؤية، واستمرارية السياسات.

تقاطع مصالح استراتيجية

بالنسبة للجزائر، يتمثل الرهان في تقليص التبعية للمحروقات، وتأمين موارد تصدير أكثر استقرارًا، وبناء قاعدة صناعية قادرة على دعم التشغيل والتنمية الإقليمية. كما يتيح الفوسفات إعادة تموضع البلاد كلاعب محوري في معادلات الأمن الغذائي الإقليمي.

أما بالنسبة للصين، فالمسألة تتجاوز الشراكة الاقتصادية إلى تأمين سلاسل الإمداد الزراعي، وتوسيع نفوذها الصناعي، وترسيخ حضورها في الفضاء المتوسطي والإفريقي. وتوفر الجزائر، بما تملكه من استقرار نسبي وموقع جغرافي استراتيجي، فرصة ملائمة لتحقيق هذه الأهداف.

وعليه، فإن مشروع الفوسفات لا يمثل مجرد استثمار صناعي، بل يشكّل نقطة تقاطع بين طموحات سيادية جزائرية ورهانات جيو-اقتصادية صينية.

رهانات لم تُحسم بعد

ورغم الإمكانات الواعدة، تبقى المخاطر قائمة. فحجم الاستثمارات ضخم، وآجال الإنجاز طويلة، والنجاح مرهون بقدرة الدولة على توفير بيئة تنظيمية مستقرة، وضمان شفافية العقود، وتكامل سلاسل الإمداد.

وتكشف هذه الدينامية، في جوهرها، مرحلة انتقالية لم تكتمل بعد. ولا يمكن التكهن بنجاح كل المشاربع، وقد تُراجع بعض المبادرات أو تُعاد صياغتها.

وفي المحصلة، يشكّل الفوسفات اختبارًا حاسمًا لمدى قدرة الجزائر على الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، ومن خطاب طموح إلى إنجاز فعلي. فهو ليس مجرد مورد طبيعي، بل معيار لمدى نضج الدولة في إدارة ثرواتها وتحويلها إلى قوة تنموية مستدامة.