في أقصى الجنوب الغربي للجزائر، وعلى بعد عشرات الكيلومترات من الحدود الموريتانية، يرقد منذ عقود أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. لم يكن غار جبيلات يفتقر يومًا إلى الخام. ما كان ينقصه دائمًا هو ما يُعدّ الأكثر كلفة في الصناعة الثقيلة: اللوجستيات، والتكنولوجيا، والوقت اللازم لبلوغ مشاريع بهذا الحجم مرحلة النضج.
إن مشروع استغلال هذا المنجم، الذي أُعيد إطلاقه في مطلع سنوات 2020، يمثّل نقطة تحوّل. فبالنسبة للجزائر، لا يتعلق الأمر بمشروع منجمي فحسب، بل بفعل سياسة صناعية مُعلَن عنها على أعلى مستوى في الدولة. لقد أصبحت إعادة بعث غار جبيلات تدريجيًا علامة في السردية الاقتصادية الرئاسية، تربط بين السيادة وإعادة التصنيع والقطيعة مع التبعية للاستيراد.
وقد امتدّ هذا التوظيف الرمزي إلى تجسيد ملموس في نهاية سنة 2025، عندما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون وصول أول قطار محمّل بخام الحديد من غار جبيلات إلى وهران في أواخر جانفي الجاري. فالصورة قوية ومصاغة بعناية. وسيقطع الخام، للمرة الأولى منذ الاستقلال، قرابة ألف كيلومتر عبر السكك الحديدية، رابطًا أقصى الجنوب الغربي المنجمي بالقطب الصناعي على الساحل. وقد أُعلن ذلك خلال افتتاح معرض الإنتاج الجزائري، في جناح مركب الحديد والصلب “توسيالي”، بما أتاح إدراج غار جبيلات ضمن سلسلة صناعية أوسع تجمع بين الفولاذ، وتحلية مياه البحر، والهيدروجين الأخضر—وهي عناصر تهدف إلى إضفاء الانسجام على مشروع ما تزال ملامحه المالية غير دقيقة.
في هذه السردية، تشكل المناجم رمزا سياسيا أكثر منها موقعًا للإنتاج، حيث تسبق الصورةُ الإنتاجَ إلى حد بعيد.
خام غار جبيلات وفير، لكنه غير مثالي. فارتفاع نسبة الفوسفور فيه يعقّد تحويله وفق المعايير التقليدية لصناعة الحديد والصلب. وتفسّر هذه المعضلة التقنية إلى حد كبير سبب بقاء المنجم غير مستغل لفترة طويلة. لذلك تقوم الاستراتيجية المعتمدة على مزيج من المعالجة المسبقة، والابتكارات المعدنية، والتكامل العمودي، لضمان الاستخراج والنقل والمعالجة، ثم لاحقًا التحويل المحلي للخامات. يبدو الطموح متماسكًا على الورق، لكنه شديد الكلفة على مستوى التنفيذ.
الصين: شريك الزمن الطويل
في هذه اللحظة تحديدًا، يتوقف المشروع عن كونه جزائريًا محضًا. فعندما تصبح الطموحات الصناعية مكلفة ومعقدة إلى درجة تتجاوز القدرات الوطنية وتندرج ضمن أفق زمني يتطلب عقودًا من الزمن، تفرض الحاجة تلقائيًا شركاء قادرين على التفكير بمنطق “عشرات السنين” بدل الدورات السياسية القصيرة. وهنا يعبر غار جبيلات عتبة غير معلنة: تلك التي تجعل السيادة المُعلنة مضطرة للتكيّف مع براغماتية صريحة.
عند هذا الحد تدخل الصين بالكامل إلى المشهد. فالشركات الصينية المعنية ليست مغامِرة. إنها أذرع صناعية للدولة، معتادة على مشاريع بهوامش ربح ضعيفة، وكثافة رأسمالية عالية، وآفاق زمنية طويلة.
من الجانب الجزائري، يتمحور المشروع حول مجمع سونارام (SONAREM) وهو مجموعة عمومية تم تكليفها بتسيير مشروع الاستغلال المنجمي وضمان انسجامه المؤسساتي. وبعد أن ظلّ دوره لوقت طويل محصورًا في إدارة الأصول، يجد نفسه اليوم في قلب مشروع عالي الكثافة الصناعية، يُفترض أن يختبر قدرته على التنسيق مع الشركاء الأجانب، ومتطلبات السياسة، والقيود التشغيلية. وضمن هذه البنية، لا تُقاس السيادة بالخطاب وحده، بل بصلابة الأداة العمومية التي يُفترض أن تجسّدها.
وتوجد شركة China Railway Construction Corporation، العملاق الصيني العمومي في البنى التحتية، في قلب الورشة السككية الاستراتيجية التي تربط بشار بتندوف وبالمنطقة المنجمية على مسافة تتجاوز خمسمائة كيلومتر. كما تتدخل Sinosteel، عبر فروعها الهندسية، في وحدات المعالجة المسبقة للخامات، لا سيما من خلال إعلانها عن أول مصنع تقدر طاقته بأربعة ملايين طن سنويًا. و يدور حول هؤلاء الفاعلين كونسورتيوم أوسع، غالبًا ما يُشار إليه بالاختصار CMH، يضم كيانات متخصصة في التعدين، والهندسة المعدنية، والهندسة الهيدروليكية، والمشاريع المنجمية المندمجة.
وتبقى أكثر صور هذا الانخراط وضوحًا هي البعد السككي. إذ يفترض أن يربط خط يزيد عن خمسمائة كيلومتر المنجم بالشبكات القائمة، عابرًا صحراء شاسعة وقاسية. وهو ما يُترجم عمليًا في تقارير المتابعة إلى أحجام هائلة يجب نقلها، وإلى “صبر ميزانياتي” لا غنى عنه.
أرقام ضبابية ورهان مؤجّل
غير أن الرهان الحقيقي يكمن وراء السكة ويتمثل في التحويل الصناعي. فالجزائر لم تعد ترغب في تصدير خام الحديد بشكل أولي، وتعلن الآن طموحها لإنتاج الفولاذ. وهذا الخيار يقتضي بناء مصانع، وضمان وصول موثوق للطاقة والمياه، وتكوين يد عاملة مؤهلة، وترسيخ انضباط صناعي لطالما واجهت البلاد صعوبة في الحفاظ عليه على المدى الطويل. يقدّم الشركاء الصينيون حلولًا تقنية، أحيانًا في شكل مشاريع جاهزة للاستخدام، كما يقدّمون رؤية براغماتية قائمة على التدرّج: مراحل اختبار، ثم تصحيح، ثم توسعة.
ماليًا، يتعمد القائمون على المشروع الغموض. فالتقديرات المتداولة في الإعلام تتراوح بين ملياري دولار كمرحلة أولى، وما يقارب عشرة مليارات دولار لبرنامج متكامل بالكامل. وتنشر الشركات الصينية تفاصيل قليلة مشروعًا بمشروع. العقود تُوقّع، والأشغال تتقدم، لكن الأرقام الدقيقة تبقى غارقة في مجاميع محاسبية عامة. وهذا التكتم ممارسة معتادة بالنسبة لبكين. ويشكل شكلًا من التأمين السياسي بالنسبة للجزائر.
أما المخاطر المرتبطة بغار جبيلات فليست مالية فقط، بل جيوسياسية واجتماعية أيضًا. فبناء سلسلة منجمية وصناعات حديد وصلب في منطقة بعيدة يقتضي خلق منظومة كاملة من مدن وخدمات وترتيبات أمنية وقبول محلي مستدام. وإذ تلعب الجزائر هنا ورقة سيادة اقتصادية، تمضي الصين في بناء نفوذ صناعي هادئ، بعيدًا عن موانئ المتوسط وأضوائه.
هذا الغموض النسبي ليس صدفة. فهو يحمي الفاعلين الصينيين من اختبار مبكر لمعادلات الربحية، ويمنح السلطات الجزائرية هامش مناورة سياسيًا مهمًا. فما دامت السكك تتقدم والمصانع تُبنى، يمكن تأجيل النقاش حول التكلفة. وعلى المدى القصير، تصبح الصورة مهمة بقدر أهمية الكميات المنتجة فعليًا.
الزمن هو الحكم الوحيد
لكن الرهان يتجاوز السياسة الاتصالية لتبون. فاستغلال غار جبيلات يتطلب انسجامًا صناعيًا طويل النفس، قادرًا على مقاومة قيود الزمن الطويل، وهشاشة الحوكمة، والمفاضلات الدائمة بين التحويل المحلي وسهولة تصدير الخام. كما يستلزم إدارة مستدامة للمياه في منطقة جافة، وتكوين يد عاملة محلية، وتأمين بنى تحتية حساسة. وسيتحدد المصير الحقيقي للمشروع في هذه القدرة المؤسساتية على التحمل، أكثر من الأداء التقني وحده.
بالنسبة للصين، يظل المشروع هادئًا لكنه استراتيجي. فهو ليس ميناءً رمزيًا ولا واجهة لـ“طرق الحرير الجديدة”، بل استثمار صناعي ثقيل في بلد شريك، قد يضمن إمدادات مستقبلية ويعزز نفوذًا قائمًا على الإنتاج لا على التمويل.
إذا نجح غار جبيلات، فقد يعيد رسم الجغرافيا الصناعية الجزائرية، ويقدّم مثالًا مضادًا لمشاريع استخراجية بلا قيمة مضافة محلية. وإذا فشل، فسيلتحق بقائمة طويلة من الطموحات الصناعية التي أعاقتها القيود اللوجستية، وتعقيدات التكنولوجيا، ومتطلبات السياسة.
حتى الآن، وبينما تبقى الأرقام ضبابية، الفاعلون معروفون والورشات مرئية ويتقدم الجدول الزمني للإنجاز. ويبقى السؤال: هل يعود هذا الغموض إلى مرحلة “حضانة صناعية” طبيعية، أم إلى نمط حوكمة طويل الأمد يسبق فيه السردُ اختبارَ التكلفة؟ وكما يحدث غالبًا في المشاريع المنجمية الكبرى، لن تأتي الإجابة من الإعلانات أو الرموز، بل من الزمن، ومن الكميات المنتجة فعليًا، ومن القدرة على تحويل الطموح المُعلَن إلى انضباط صناعي.