جار التحميل ...

بيّونة، حياة وموت فنّانة شعبية

رحلت بيّونة يوم 25 نوفمبر الفارط عن عُمر 73 سنة. بِنت حي محمد بلوزداد التي عاشت الحياة كما أرادت، بحلوها ومُرّها، لم تُفاوِض يومًا حول خياراتها كامرأةٍ وفنّانة، وعَبَرَتْ نِصف قرنٍ من التمثيل والغناء والضحك.


سنة 1991، قبل توقيف المسار الانتخابي وقبل إغلاق قوس الُحريّات الذي فُتِح مع 5 أكتوبر 1988، بثّ التلفزيون الوطني الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج عاشور كسّاي “يدٌ لساحرة“، من بطولة بيّونة في دور السّاحرة التي ستتورّط في مقتل طفل كي تقطع يده التي تحتاجها لإتمام طقوس شعوذة. 

قبل هذا الفيلم، كان كسّاي قد صوّر فيلمين قصيرين، أولهما عن نداء أول نوفمبر سنة 1990 والثاني سنة 1991 بعنوان “بائع الثلج” والذي تبحث عائلة الطفلة المريضة مالحة عن نُدفة ثلجية أبدية تشفيها مما هي فيه. 

بعد أزيد من ثلاثة عقود على تلك المرحلة، وبالنظر للسياق الذي عاشه الجزائريون، يمكننا بقراءة أولّية وسطحية بعض الشيء، القول أن الأفلام الأولى لعاشور كسّاي كانت تدور حول ثيمة التخلّص من اللعنة/المرض والبداية من جديد، كما كانت البلاد وقتها، بعد ثلاثين من استقلالها وتفاقم مشاكلها، لكن هيهات (كما يقول المرحوم) فقد غرقت فيما هو أسوأ: عِقد كامل من الحرب الأهلية.

من جهتها، كانت بيّونة، التي عرفها الجمهور شابةً في مسلسل مثل “الحريق” لمصطفى بديع (1974) وفيلم “ليلى والأخريات” لسيدي علي مازيف (1978)، تبحثُ – بعد رحلة طويلة من الغناء والرقص والتنشيط في الأعراس والملاهي- عن دخول السينما من باب دور البطولة. دخلت بيونة إذًا، بدور الساحرة التي ينقلبُ عليها سحرها في نهاية الفيلم التلفزيوني، وبعدها دخلت البلاد في دوّامة العنف. وسيعود هذا الفيلم الذي صُوِّر قبل بداية “الأحداث”، عبر التلفزيون، نهاية التسعينات وبداية الألفينات ليشاهده جيلي (المولود نهاية الثمانينات وبداية التسعينات)، ويصيبه الرعب من المصير الذي لِحق بالطفل وتتركّز في أذهاننا وصايا الأهل والأمّهات بالتحديد، الموروثة عن المجتمع: لا تثِق بالغرباء، لا تأكل عند النّاس. كما يترسّخ الإيمان بقوّة السّحر والشعوذة. 

لكن بالنسبة لمن شاهد الفيلم سنة 1991، كانت هذه الظواهر على هامش المجتمع، أما بالنسبة لمن شاهده مثلنا بعد الحرب الأهلية، نحن الذين فتحنا أعيننا على قصص المجازر والاغتيالات والرصاص والخوف، فكان الخطف والقتل والدم – وحتى السّحر – يوميات المجتمع.

لكن، في تلك السنوات، نهاية التسعينات وبداية الألفينات، كانت بيّونة قد صارت في مرحلة مختلفة من مسيرتها.

العشرية الذهبية

بعد طول انتظار، ومع سن الخمسين فُتِحت أبواب الشهرة لبيونة. بين 2002 و2005 كانت بيّونة الوجه الأساسي، إلى جانب صالح أوقروت، في السيتكوم الرمضاني الشهير “ناس ملاح سيتي” لمخرجه جعفر قاسم. وبالتوازي مع هذا العمل التلفزيوني الشهير، دخلت بيونة السينما مع المخرج الفرنكو-جزائري نذير مخناش: “حرملك السيدة عصمان” (2002) أولًا في دورٍ رئيسي ثم “فيفا لالجيري” (2004) و”دليس بالوما” (2007) في دور البطولة، حتى أنّ الفيلم الأخير يحمل اسم شخصيتها. 

أتذكر حيرة جيلي في تلك السنوات. بيّونة التي نعرفها في السيتكوم العائلي كشخصيةٍ مشاكسة وصريحة وجريئة وسليطة اللّسان نسمع أنّها تمثّل في أفلامٍ “فرنسية” عن الجزائر، وتلعب – على التوالي – دور راقصة ومغنّية سابقة في الجزائر العاصمة تعيشُ في غرفة مع ابنتها في جزائر ما بعد الحرب الأهلية، وتسعى في المدينة يسكنها الخوف بعد أن كانت مُهدّدة بالقتل من طرف الجماعات الإرهابية، ثم دور مدام ألجيريا، “زعيمة عصابة” تتاجر في كل شيء، من الممنوعات إلى أجساد الشابّات اللواتي يلجأن لها هربًا من الشارع. كنتُ وقتها في مرحلة المتوسطة وأذكر بعض الزملاء، في عِزّ فورة هرمونات المراهقة، وهم يطلقون عبارات – لا تُفرّق بين الواقع والسينما- مثل: “بنت بيونة صوروها وهي راقدة مع واحد” أو “بيونة خرجوا لها فيديو وين كذا وكذا”. 

لو فتحنا باب نقد أفلام نذير مخناش، ومعه الأفلام المُنتجة من دول أجنبية عن الجزائر، فلن يكفي مقالٌ واحدٌ لتناول هذا الموضوع. مؤخرًا أخبرني صديقٌ، وُلِد وكبِر في شرق البلاد، أنّه عندما شاهد “فيفا لالجيري” ولم يكُن قد زار العاصمة في حياته، تخيّل أنّ أهلها يتكلّمون بالفرنسية مثلما تفعل الشخصيات في الفيلم. هناك الكثير الذي يُقال الصور النمطية والكليشيهات التي وضعها مخناش في أفلامه، هو الذي وُلِد في فرنسا ثم عاد مع أمه إلى الجزائر قبل أن يتركها في سنّ الـ 16 ليعيش في باريس، خاصةً أنّ السينما التي يصنعها مبنية على رؤية استشراقية لحياة الجزائريين ويومياتهم. لكن هذا لم يمنع من أن تحمل هذه الأفلام بعض اللقطات الجيّدة لبيّونة ولمدينة الجزائر في تلك الفترة، هذه اللقطات ستبقى في الأرشيف، ليس لواقعيتها التاريخية أو صدقها في تصوير حياة النّاس، لكن لأنّها نجحت في الإمساك بشيءٍ من شخصية المُمثّلة نفسها.

بعدها اختفت بيّونة. انتظرناها في سيتكوم “جمعي فاميلي” لجعفر قاسم، لكنها لم تأتِ. صارت تعمل في فرنسا، في السينما والغناء. أصدرت ألبومًا موسيقيا سنة 2007 بعنوان “شقراء في القصبة” وغنّت بصوتها المبحوح والمُميّز عددًا من الأغاني العاصمية القديمة وأخرى فرنسية. 

بدا أن الجزائريين نسوا بيّونة. انشغلت البلاد بمباريات المنتخب الوطني ضد المنتخب المصري، ثم التأهل “الملحمي” لأم درمان. بعدها فتح بوتفليقة العهدات الرئاسية وترشّح للثالثة وبعدها الرابعة، تغيّر الضحك في الجزائر. ميدانها. برز جيلٌ جديد مع تعدّد القنوات التلفزيونية وانتشار الأنترنت –الذي تأخّر انتشاره في الجزائر مقارنةً بدولٍ الجوار. صرنا نضحك على اسكتشات “جرنان القوسطو” وسلسلة جعفر قاسم الجديدة “عاشور العاشر”. لكنه كان ضحكًا كالبكاء، كلّه يدور حول العصابة الحاكمة والرئيس المريض الغائب. 

عودة الأخت الضالّة

ثم عادت بيّونة بتحفظ عبر سيتكوم تونسي على قناة “نسمة” بعنوان “نسيبتي العزيزة” حيث تلعب دور بريزة، عمّة حسونة، الشخصية الرئيسية، التي تجيءُ من الجزائر مع ابنتها. شخصية بريزة لا تختلف كثيرًا عن أدوار بيّونة السابقة فهي – مرّة أخرى – ذات شخصية قوية وسليطة اللسان، لكنّها هنا امرأة لها كلمتها واحترامها وليست “محقورة” أو”قرعاجية” كما في العديد من الشخصيات التي تقمّصتها في “ناس ملاح سيتي”. لعبت بيّونة في الموسم الأول (2010) ثم غابت طويلًا، بينما بقيت شخصية “حجلة” (رزيقة فرحان) حاضرة، ومات في الأثناء الممثل سفيان الشعري، ثم عادت في موسمين الخامس (2015) والسادس (2016). 

صارت بيّونة في حُكمِ الغائبين، تظهرُ في مسلسل تونسي أو في فيلمٍ فرنسي. نشاهد لها فيديو على يوتيوب أو صورة مع أحد المعجبين. تظهرُ مرةً في فيلمٍ لمرزاق علواش، أو تُدعى كضيفة شرفٍ في مسلسلٍ جزائري لا أحد يتذكر اسمه. تعوّدنا على غيابها ودخلت في خانة الأخت الكبرى، أو القريبة، المسافرة. ومن جهتهم، وخلال آخر سنوات بوتفليقة، انشغل الجزائريون بأمورٍ عديدة، وكبِر جيلي وما عاد يجلسُ كثيرًا أمام التلفزيون. ثم جاء الحراك، ووسط المدّ الشعبي الجارف وكل “الهراج” الذي رافق هذه الانتفاضة الشعبية، أتذكّر فيديو قصير لبيّونة في مطعمٍ جزائري بفرنسا، وهي تقول كلمةً عن الشباب والأمل والحُلم بمستقبلٍ أفضل. لكن من يهتم بكلمة فلان أو فلانة عندما يكون الملايين في الشارع يتكلمون؟

ثم جاءت كورونا وتغيّر العالم، علينا ومن حولنا، للمرّة الثانية في أقلّ من عام. مات من مات ونجا من نجا. أغلقت الجزائر مجالها الجوي لمدة تقارِبُ السنتين (أو تزيد؟) وأعدنا اكتشاف السياحة الداخلية وعُدنا للجلوس أمام التلفزيون. شهدت تلك الفترة طفرةً في “نوعية” الأعمال الدرامية في رمضان. الجزائر تتغيّر، لكننا لا ننتبه أو ننسى أو لا نهتم. صار هناك مشاهيرُ جُدد في مجال التمثيل والسينما والإعلام، قليلون من حافظوا على شهرةٍ واسعة وعابرة للأجيال، صالح أوقروت مثلًا بحُكم أنّه استمرّ في التمثيل وعثمان عريوات الذي ظلّ حاضرًا في الميمز رغم توقفه عن التمثيل منذ عقود. 

ثم ماذا؟ ثم عادت بيّونة

رمضان سنة 2023. قبل بثّ مسلسل “الدّامة” الذي لعبت فيه دور أم مريضة لا تغادر فراشها، فيما يتورّط أبناؤها في تجارة المخدرات، رأينا صورها وحوارات الصحافة معها وقد بدا عليها الكبر والمرض. ابيضّ شعرها وثقُلت حركتها. أين كانت بيّونة كل هذه السنوات؟ كانت هنا وكانت هناك. كانت ولم تكُن. كانت في حُكم الغائبين. عودة بيّونة للتلفزيون، الذي ما عاد تلفزيونًا بالمعنى القديم، بدت لي –شخصيًا- كأنّها عودة للعائلة. أيّ عائلة؟ ربما العائلة/الأمّة المتخيّلة التي نرسمها في رأسنا عندما كنّا نجلس لنشاهد “ناس ملاح سيتي”. 

شاهدتُ في أول يومٍ من ذلك الموسم الرمضاني، على قناة سميرة تي في باليوتوب، الحلقة الأولى من برنامجٍ عجيب للطبخ. أم وليد، أحد رموز اليوتوب الجزائري، تدعو بيّونة لمركبتها الفضائية كي تطبخ وتحاورها وتسألها عن أمور الدنيا. بيّونة الجريئة تلتقي بأم وليد التي لم تكشف لا عن اسمها ولا عن وجهها. بيّونة ابنة السينما والغناء والتلفزيون تلتقي بأم وليد ابنة اليوتوب والأنترنت. لكن لو مدّدنا الخط على آخره سنجِد أن أم وليد وبيّونة هما وجهان لثقافة شعبية واحدة. جمهور الأولى لا يختلف كثيرا عن جمهور الثانية، ورغم أننا نجهل خلفية أم وليد إلى ساعة كتابة هذه السطور، لكنّها تبدو من حديثها وبساطتها من خلفية شعبية قريبة من تلك التي خرجت منها بيّونة ابنة حيّ محمد بلوزداد. 

في بداية البرنامج تسأل أم وليد من غرفتها المظلمة بيّونة “وين تحبي تروحي ف الفضاء بيّونة؟” فتجيب بيونة التي بدا عليها المرض والتعب، لكنها لم تفقد خفّة دمها “نروحو لفينوس…”. لم تتجاوز الحلقة نصف ساعة لكنّها كانت لحظةً نادرة للقاء “فضائي” بين وجهين للثقافة الشعبية. تسأل أم وليد عن مسلسل “الحريق” الذي شاهدته وهي طفلة، فتترحّم بيونة على المخرج الراحل مصطفى بديع والكاتب صاحب الرواية التي اقتُبِس منها العمل، ثم تسأل بدورها أم وليد عن اسم الكاتب، وعندما لا تعرفه تجيبها بيونة في لقطةٍ هاربة من “ناس ملاح سيتي”: “محمد ديب ! راجعي دروسك”. ثم تطلبُ أم وليد من ضيفتها أن تغني لها قليلًا لوردة الجزائرية، فتتأثر بيّونة وتقول بيتين من “خلّيك هنا خلّيك”، أو تتمتهما بصوتها الذي أنهكه المرض. لكن أم وليد لا تستسلم فتطلب منها مرة أخرى الغناء لتغنّي بيّونة مرّتين، تغني “يا بلارج” لفضيلة الدزيرية ثم تعيد أغنية وردة. تحكي المرأتين، كما لو أنهما جارتين، تقول بيّونة أنها سعيدة بعودتها إلى الظهور في مسلسل جزائري، بعد أن عملت في الشرق والغرب. “احنا أولاد التلفزيون” تقول. مثل وردة الجزائرية، صارت بيّونة بدورها أختًا كبرى للجزائريين، غائبة، أخذتها الحياة والغُربة، ورغم تبدّل الحال والزمن إلّا أنّ النّاس – الجمهور ظلّوا أوفياء لذكراها.

في الدقائق الأخيرة لبرنامج أم وليد، وبعد أن تنتهي بيّونة من الطبخ وبعد تغيير المجرّات في الفضاء، تُحَضّر صحنًا من طبخها لأم وليد التي تضغط زِرًا فيختفي الطبق من أمام بيّونة ليذهب عندها في غرفة التحكّم كي تتذوّقه، تتصنّع بيّونة الاندهاش والهلع من هذه التكنولوجية السحرية، هنا تذكّرتُ فيلم “يد لساحرة” وضحكت، مرّة أخرى ها هي بيّونة في مشهد يتعلّق بالطبخ و”السّحر”، وطبعًا لا تفوّت الفرصة لتقول لأم وليد ساخِرةً “اهبطي على رجليك وارواحي تاكلي، علاش تدّي الطبسي عندك..”

وقبل نهاية الحلقة بلحظات، وبعد أن تقول أم وليد أنها سعيدة باستضافة بيّونة. “عمري ما تصوّرت راح نتلاقاك”، تقول لها. تشكرها بيّونة وتغتنم الفرصة لتقول “صحة رمضانكم وعام سعيد بالخير… وشوية نخمّموا على القلاليل، كول ووكّل”. 

تلك كانت إحدى آخر كلمات بيّونة، توصي النّاس أن يتذكّروا الفقراء ويتقاسموا معهم أكلهم. بيّونة التي مثّلت وعبّرت عن أفراح وأحزان الجزائريين والجزائريات، جمعتهم حولها في حياتها ومماتها.