جار التحميل ...

بعد الحرائق، لا تزال جيجل تبحث عن نقطة ارتكازها

في جمعة بني حبيبي، كشفت صفوف النعوش، الجمعة، حجم مأساة لم تقدّم البيانات الرسمية بعد حصيلتها الكاملة. وبينما كانت العائلات تدفن موتاها، كانت قوافل الإغاثة تتوافد من ولايات عدة، وفرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين. تنحسر النيران في بعض المناطق، لكن الكارثة لم تنتهِ. فقد بدأت مرحلة أخرى: إحصاء الخسائر، وإغاثة المنكوبين، وتعويضهم، وإعادة البناء.


جمعة بني حبيبي، 28 أوت 2026. تشييع ودفن ضحايا حرائق جيجل في مقبرة جماعية.

في جمعة بني حبيبي، يوم 28 أوت، لم تعد الكارثة مجرد مقاطع مصوّرة تتوالى ليلاً، ولا حصائل أولية لحرائق ما تزال مشتعلة. كانت هناك، عند حافة خندق طويل، في صفوف النعوش التي أحاط بها آلاف المشيعين. وحضر الوزير الأول سيفي غريب، الذي أوفده رئيس الجمهورية إلى المنطقة، مراسم التشييع إلى جانب عائلات الضحايا وفرق الإنقاذ.

كانت النعوش تقول ما عجزت الأرقام الرسمية، حتى ذلك الحين، عن قوله. فبعد أيام من وصول ألسنة اللهب إلى المناطق المأهولة، لم تكن السلطات قد أعلنت بعد حصيلة وطنية موحدة للخسائر البشرية. وكانت قائمة اسمية أعدّتها نزهة خلالف، استناداً إلى إعلانات الوفاة وشهادات العائلات ومنشورات محلية، قد أحصت حتى الجمعة 151 اسماً في جيجل، مع التنبيه إلى أنها لا تزال غير مكتملة. وفي سكيكدة أيضاً، وُوري ضحايا الثرى في أم الطوب. كما شيّعت بجاية وتيزي وزو قتلى سقطوا في الحرائق.

ولم تكن حصيلة الضحايا في جيجل قد أُغلقت بعد. فقد شرعت الحماية المدنية في البحث عن أشخاص مفقودين في منطقة جمعة بني حبيبي، بفريق راجل يضم نحو مئة عون، إلى جانب وحدة كلابية متخصصة. وبينما كانت عائلات تدفن موتاها، كانت أخرى لا تزال تنتظر خبراً يحسم مصير مفقوديها.

الجزائر تتجه إلى جيجل

على الطرق المؤدية إلى جيجل، بدأت الشاحنات والمركبات المحمّلة بالمياه والمؤن والأدوية والحاجيات الأساسية تتوافد من ولايات عدة. وأُعلن عن قوافل قادمة من المسيلة والوادي وأم البواقي وغيرها. كما أعلنت شركة ياليدين وضع قدراتها في النقل مجاناً تحت تصرف عمليات إيصال التبرعات إلى المناطق المنكوبة.

حين تضرب الكارثة، تختصر المجتمعات المسافات. أناس لا يعرف بعضهم بعضاً يملأون الشاحنات من أجل قرى ربما لم يزوروها يوماً. جمعيات وأفراد وتجار وشباب ينظمون الرحلات ويجمعون المؤن ويحددون وجهاتها.

لكن، مع اتساع تدفق القوافل، برزت الحاجة إلى تنظيمها وتنسيقها. فقد توالت نداءات من جيجل تطلب من المتطوعين ألا يكتفوا بالمراكز الحضرية، وأن يستفسروا عن الحاجات الفعلية قبل تفريغ المساعدات. فالأشد حاجة قد يكونون أبعد، في مداشر أكلت النيران بيوتها، وانقطعت عنها الكهرباء، وفقدت فيها عائلات مواشيها وبساتينها ووسائل كسب عيشها.

في العنصر وأولاد عسكر وجمعة بني حبيبي وأولاد يحيى خدروش وتاكسنة ومناطق أخرى منكوبة، تخفف المساعدات الغذائية من وطأة اللحظة. لكنها لا تعيد بيتاً احترق، ولا مستثمرة فلاحية دُمّرت، ولا قطيعاً نفق.

فالتضامن الشعبي لا يمكن أن يحل محل سياسة عمومية. هو إسناد وإغاثة، لا نظام لإدارة الكوارث. وقوته لا تكتمل إلا إذا أُدرجت ضمن تنظيم قادر على تحديد الاحتياجات، ورسم خريطة دقيقة للقرى المنكوبة، وتفادي تكدس المساعدات في مكان وندرتها في آخر، وضمان الوصول إلى المناطق الأكثر عزلة.

الدولة واختبار القرار

تعيد مشاهد الجنازات أيضاً إلى الساعات التي سبقتها، حين كانت النيران تزحف نحو البيوت، فيما كانت قرى تبحث عن الوسائل والمعلومة، وأحياناً عن مخرج آمن.

وتصف الشهادات التي نُشرت أثناء الأزمة خطراً كان يكبر أسرع من المعلومة الرسمية. في تاكسنة، اقتربت النيران من المستشفى. وفي مناطق أخرى، كان المواطنون يواجهون الحريق بالصهاريج والخراطيم والأغصان إلى جانب رجال الحماية المدنية والعسكريين. تكشف هذه المشاهد شجاعة من كانوا في الميدان، لكنها تترك سؤالاً أكبر بلا جواب: من كان يقود الأزمة؟ ومن كان يملك الصورة الكاملة ويقرر متى ينبغي الانتقال إلى مستوى أعلى من الاستجابة؟

فالكوارث بهذا الحجم لا تُدار بمجرد حشد مزيد من الوسائل. فهي تحتاج إلى قيادة تعرف، في اللحظة نفسها، اتجاه الرياح، وطبيعة التضاريس، وحالة الطرق، ومواقع السكان، والوسائل المتاحة للإطفاء والإنقاذ. متى يصبح الإجلاء ضرورياً؟ ومتى يُقرّ بأن الوسائل المسخرة لم تعد كافية؟ ومن يملك قرار تركيز القدرات في منطقة بعينها أو طلب إسناد خارجي؟

ويزيد الخطاب الرسمي هذه السلسلة غموضاً حين يُقدَّم كل تحرك تقريباً باعتباره تم «بتعليمات من رئيس الجمهورية». فحين تُنسب كل مبادرة إلى رأس السلطة، تتحول المؤسسات إلى حلقات تنفيذ، وتتركز المسؤولية السياسية بدورها في الأعلى.

لا يستقيم أن تُنسب إلى أعلى السلطة فضائل كل قرار ناجح، ثم تتبدد المسؤوليات عند ظهور الإخفاق. فإذا قُدّم الرئيس باعتباره منطلق كل قرار، فإنه يتحمل أيضاً، سياسياً، نتائج نظام تتوارى فيه المسؤولية المباشرة للوزراء ولسائر مستويات القرار.

ما بعد إخماد النار

كشفت الحرائق أيضاً هشاشة الأرياف التي لا يمكن اختزالها في الغطاء الغابي. ففي هذه القرى، تتداخل الغابة مع البيوت والبساتين والمراعي وقطعان الماشية. وحين تصل النار، لا تحرق الأشجار وحدها؛ بل تلتهم معها المحاصيل والقطعان ومصادر الدخل، وأحياناً أسباب البقاء في المكان نفسه.

وتُظهر الصور قطعاناً نافقة على الطرق أو داخل المزارع. ويتحدث السكان عن بيوت لم تعد صالحة للسكن وعن عائلات لم يبق لها ما تعود إليه. ولذلك ستنتقل الأزمة سريعاً من إطفاء الحرائق إلى جرد الخسائر، والتعويض، وإعادة البناء. وقد بدأت بالفعل تظهر دعوات إلى إنشاء آلية عمومية خاصة لتعويض المنكوبين ومساعدة النشاط الفلاحي على النهوض من جديد.

وستكون هذه المرحلة أطول من عمر الحريق نفسه. إذ سيقتضي الأمر تحديد ما ضاع، وأي المستثمرات يمكن إنقاذها وإعادة تشغيلها، وأي العائلات تحتاج إلى إعادة إسكان، وأي البنى التحتية ينبغي ألا تُعاد كما كانت، بل أن تُبنى على نحو يقلل من هشاشتها أمام الكارثة المقبلة.

لكن الأهم أن تبدأ مراجعة ما جرى قبل الصيف المقبل. فلا يمكن أن تستقبل البلاد كل موسم بالنداءات نفسها إلى اليقظة، وبأعمدة الدخان نفسها، وبالسباق نفسه إلى حشد الوسائل بعد أن تكون النيران قد دخلت القرى.

الوقاية تبدأ قبل الشرارة الأولى بوقت طويل. تبدأ بصيانة الغابات ومراقبتها وفتح المسالك داخلها، ورسم خرائط دقيقة لمناطق التماس بين الغطاء الغابي والتجمعات السكانية، وإعداد خطط إجلاء يعرفها السكان مسبقاً.

كما ينبغي لنظام الإنذار أن يصل إلى المواطنين قبل أن يصل إليهم الخبر عبر فيسبوك. فالرسالة الرسمية النافعة لا تكتفي بالإعلان عن وجود حريق، بل توضح اتجاهه، والطرق التي يجب غلقها، والقرى التي ينبغي إجلاؤها، والجهات التي يجب أن يقصدها السكان. ففي أزمة تستطيع فيها الرياح تغيير جبهة النار خلال دقائق، تصبح المعلومة نفسها أداة إنقاذ.

ساعة المساءلة

لا ينبغي لتدفق قوافل التضامن نحو جيجل أن يحول المأساة إلى قصة مريحة عن تلاحم وطني تنتهي عندها الأسئلة. هذا التضامن حقيقي وواسع وضروري. لكنه لا يعفي المؤسسات من واجب فهم ما حدث، ولا من مسؤولية استخلاص الدروس.

في جمعة بني حبيبي، دُفنت النعوش أمام دولة جاءت لتشارك العائلات حزنها. وعلى بعد بضعة كيلومترات، كانت فرق الإنقاذ لا تزال تفتش عن مفقودين. وعلى الطرق، واصلت القوافل الوصول. وفي القرى، شرعت العائلات في إحصاء ما أخذته النار.

وسيتعين، بعد الحداد، الإجابة عن أسئلة محددة: متى أُطلق الإنذار؟ ومتى اعتُبرت التجمعات السكانية مهددة؟ وما الوسائل التي كانت متاحة؟ ومن كان يملك صلاحية طلب المزيد؟ وما خطط الإجلاء التي كانت معدة سلفاً؟ ولماذا شعر السكان بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة النار؟ وكيف يمكن تفادي أن تقوم الاستجابة للكارثة المقبلة، في ساعاتها الأولى مرة أخرى، على الارتجال والشجاعة الفردية؟

لقد أثبت المجتمع قدرته على التعبئة، وشاحناته تسلك اليوم الطريق إلى جيجل. أما مسؤولية الدولة فهي أن تجعل هذا التضامن، في الكارثة المقبلة، قوة تعزز نظاماً يعمل، لا بديلاً يسد فراغاته.