بعد عشرين عاماً على دخوله حيز التنفيذ، لا يزال اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي موضع الجدل نفسه الذي رافقه منذ سنواته الأولى. فالجزائر، وفق هذا النقد، فتحت سوقها بسرعة أكبر مما ينبغي، وقدمت للصناعيين الأوروبيين تنازلات غير متكافئة، وقلّصت هامش مناورتها في التفاوض مع بقية العالم. واليوم، تسمح عشرون سنة من الإحصاءات التجارية بقياس ما غيّره الاتفاق بصورة أدق، وما الذي أفاد منه، وما الذي لم ينجح في تحقيقه.
كان عبد العزيز بوتفليقة نفسه قد حدّد المغزى السياسي للعملية. ففي جوان 2003، وأمام البرلمان الأوروبي، بعد أكثر بقليل من سنة على توقيع الاتفاق في فالنسيا، تحدث عن «ترسيخ اقتصادي حقيقي» للجزائر في أوروبا، وربط هذا الترسيخ بتعميق الحوار السياسي. وقبل ذلك بثلاث سنوات، قال أمام الجمعية الوطنية الفرنسية إنه ينتظر من بروكسل «حلاً عادلاً ومتوازناً».
لم يُصمم الاتفاق ليكون مجرد معاهدة جمركية. كان هدفه الأول إقامة حوار سياسي. ثم جاءت التجارة، من خلال تحرير المبادلات في السلع والخدمات ورؤوس الأموال. كما شمل النص التعاون الاقتصادي والمالي والاجتماعي والثقافي، والتبادلات البشرية، والأمن.
وجاء الخيار الأوروبي في سياق الجزائر مطلع سنوات الألفين. كانت البلاد تخرج من عقد من العنف وتحاول إعادة بناء علاقاتها الخارجية. وكانت أوروبا بالفعل السوق الأولى للنفط والغاز الجزائريين، والمورّد الأول للبلاد. وأدرج بوتفليقة الاتفاق ضمن مسار أوسع لفتح الاقتصاد الجزائري.
كلفة الانفتاح أكبر على الجزائر
تُظهر أرقام المفوضية الأوروبية حجم الجهد الذي بذلته الجزائر. ففي 1997، كانت تفرض على المنتجات الصناعية الأوروبية رسوماً جمركية فعلية بمتوسط 21.9 في المئة. وفي 2015، بعد عشر سنوات من تطبيق الاتفاق، انخفض هذا المعدل إلى 6.1 في المئة.
أما المنتجات الفلاحية الأوروبية، فانخفض متوسط الرسوم الجمركية الفعلية التي تطبقها الجزائر عليها من 23.2 في المئة إلى 19.8 في المئة.
وكان الجهد الأوروبي أقل بكثير. فالمنتجات الصناعية الجزائرية كانت تخضع أصلاً، عند دخولها الاتحاد، إلى متوسط رسوم جمركية لا يتجاوز 1.9 في المئة سنة 1995، وأصبح صفراً في 2015. أما المنتجات الفلاحية الجزائرية، فانخفض المتوسط من 4.3 إلى 3.8 في المئة.
كانت أوروبا، إذن، تملك قدراً قليلاً نسبياً من الحماية كي تتخلى عنه. أما الجزائر فكانت تملك الكثير.
وزادت المحروقات من هذا الاختلال. فالنفط والغاز، اللذان كانا يشكلان أصلاً معظم صادرات الجزائر، كانا يتمتعان بوصول ميسر جداً إلى السوق الأوروبية بصرف النظر عن الاتفاق. ولذلك، فإن الامتياز الجمركي الإضافي الذي وفره الاتفاق كان يخص أساساً المنتجات الصناعية والمصنّعة التي لم تكن الجزائر تصدّر منها إلا القليل.
أما المؤسسات الأوروبية فكانت تنتج الآلات والسيارات والتجهيزات الكهربائية والأدوية والمنتجات الكيميائية والمواد الغذائية والسلع المصنّعة التي كانت الجزائر تخفض الرسوم المفروضة عليها.
وكان الانفتاح قد بدأ قبل سبتمبر 2005. ففي مطلع سنوات الألفين، كانت الجزائر قد شرعت بالفعل في إصلاح تعريفتها الجمركية استعداداً لاندماجها في التجارة الدولية. وجاء الاتفاق الأوروبي ليواصل هذا التوجه ويسرّعه.
ولم يكن الاتفاق ينص على الإلغاء الفوري لكل أشكال الحماية. فالمنتجات الصناعية الجزائرية كانت تدخل الاتحاد الأوروبي معفاة من الرسوم الجمركية. أما المنتجات الأوروبية، فخضعت لعدة رزنامات وفق درجة حساسيتها. وحُررت بعض المواد الأولية والمدخلات بسرعة، فيما استفادت منتجات أخرى من فترة انتقالية امتدت لسنوات. وكان بإمكان القطاعات الأكثر حساسية الاحتفاظ بالحماية مدة تصل إلى اثنتي عشرة سنة.
كما أتاح النص للجزائر اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية صناعة ناشئة، أو قطاع يخضع لإعادة الهيكلة، أو نشاط يواجه صعوبات اجتماعية خطيرة. كانت التنازلات الجمركية الجزائرية أكبر بكثير، لكنها وُزعت على فترة زمنية طويلة.
الواردات الأوروبية تقفز
تكشف حركة التجارة سريعاً أي الطرفين كان أكثر استعداداً للاستفادة من الانفتاح. ففي 2004، وهي آخر سنة كاملة قبل دخول الاتفاق حيز التنفيذ، كانت الدول السبع والعشرون التي يتكون منها الاتحاد الأوروبي اليوم تبيع للجزائر ما يقارب 9.3 مليارات يورو من السلع. وبعد عشر سنوات، بلغ الرقم 22.9 مليار يورو، أي بزيادة تقارب 147 في المئة.
وفي الاتجاه المعاكس، ارتفعت الصادرات الجزائرية إلى البلدان نفسها من 14.8 مليار يورو في 2004 إلى 25.3 ملياراً في 2014، أي بنحو 71 في المئة.
ولا يفسر خفض الحقوق الجمركية وحده هذا الفارق. فقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ في وقت منحت فيه زيادة عائدات النفط الجزائر قدرة استثنائية على الاستيراد. غذّت برامج التجهيز الكبرى وبناء السكن والمنشآت القاعدية واتساع الاستهلاك الطلب على الواردات. وتراجعت الكلفة الجمركية للمنتجات الأوروبية في الوقت نفسه الذي ازدادت فيه قدرة الجزائر على الاستيراد.
وحاول التقييم اللاحق الذي طلبته المفوضية الأوروبية عزل أثر الجانب التجاري من الاتفاق. وخلصت نماذجه إلى أن اتفاقات الشراكة الأورو-متوسطية رفعت حجم المبادلات، وأن الأثر كان أوضح بكثير على واردات الجزائر منه على صادراتها. كما سجل التقييم نفسه تحسناً في تنويع الصادرات وتعقيدها لدى بقية الشركاء المتوسطيين الذين شملتهم الدراسة، باستثناء الجزائر.
2009، بداية الكبح
بدأت الحكومة تشدد شروط الانفتاح قبل الوصول حتى إلى منتصف رزنامة التفكيك الجمركي.
في جويلية 2009، غيّر قانون المالية التكميلي القواعد المفروضة على المستثمرين والمستوردين الأجانب. ففرض امتلاك الطرف الجزائري 51 في المئة على الأقل من رأسمال الاستثمارات الأجنبية الجديدة، ومساهمة جزائرية بنسبة 30 في المئة في شركات الاستيراد ذات رأس المال الأجنبي، وعمّم استخدام الاعتماد المستندي لتسديد الواردات.
لم يُلغ قانون المالية التكميلي اتفاق الشراكة من الناحية الرسمية، لكنه أعاد فرض قيود داخل اقتصاد كان قد بدأ مسار خفض المديونية والانفتاح التجاري وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
ومع ذلك، واصلت التجارة مع أوروبا نموها. فارتفعت واردات الجزائر من الاتحاد الأوروبي من 14.5 مليار يورو في 2009 إلى 15.3 ملياراً في 2010، ثم إلى 20.7 ملياراً في 2012. وبلغت ذروتها بعد سنتين عند قرابة 23 مليار يورو.
إعادة التفاوض على رزنامة التفكيك الجمركي
فتحت الحكومة ملف التعريفة الجمركية منذ 2010.
وكان التشخيص الذي قدمته وزارة التجارة آنذاك شديداً. فالمحروقات كانت تمثل 97 في المئة من الصادرات الجزائرية إلى الاتحاد الأوروبي. وارتفعت مبيعات المنتجات المصنّعة والفلاحية والغذائية بين 2005 و2010، لكنها ظلت في حدود مليار دولار تقريباً. واعترفت الوزارة بأن الاتفاق لم يحقق الأثر المنتظر في تنويع الصادرات خارج المحروقات.
وطلبت الجزائر من مجلس الشراكة، المنعقد في جوان 2010، مراجعة مسار التفكيك الجمركي. واستمرت المفاوضات أكثر من سنتين.
وشمل اتفاق 2012 نحو 1058 بنداً جمركياً اعتُبرت حساسة بالنسبة إلى الإنتاج أو التشغيل أو الاستثمار. وأُعيد فرض جزء من الحقوق أو مُدد العمل بها. وشملت التدابير السيارات والصلب والنسيج والإلكترونيات وعدة تجهيزات صناعية. كما أُرجئ استكمال منطقة التبادل الحر من 2017 إلى 2020.
وأعيد النظر أيضاً في الجانب الفلاحي. فسحبت الجزائر أو عدّلت عدداً من التنازلات والحصص التفضيلية التي كانت قد منحتها للأوروبيين.
ولم تكن الجزائر، إذن، مضطرة إلى إلغاء الاتفاق كي توفر حماية أكبر لبعض القطاعات. فقد استخدمت الجزائر الآليات التي يتيحها الاتفاق، وحصلت على ثلاث سنوات إضافية لعدد من أصناف المنتجات.
منظمة التجارة العالمية وهامش المناورة المفقود
يطرح معارضو الاتفاق اعتراضاً آخر. فمن خلال منح أوروبا تنازلات جمركية كبيرة قبل انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية، تكون البلاد، بحسب هذا الطرح، قد تخلت عن جزء من هامش المناورة الجمركي الذي كان يمكن أن تستخدمه في مفاوضاتها مع القوى التجارية الأخرى.
وتقرّ منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أونكتاد، بوجود هذه الصعوبة. فاتفاق الشراكة المبرم مع الاتحاد الأوروبي قبل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية يضغط على التفاوض متعدد الأطراف، لأن الشركاء غير الأوروبيين يصبح من مصلحتهم الحصول على حقوق أقل حتى لا يظلوا في وضع غير موات أمام المؤسسات الأوروبية.
لكن هذا القيد لا يعني أن الجزائر كانت ملزمة قانوناً بتعميم الحقوق التفضيلية الممنوحة للاتحاد الأوروبي على بقية العالم. فاتفاقات التبادل الحر تستفيد من استثناء من القواعد العادية لعدم التمييز التجاري.
المشكلة كانت في ميزان القوة التفاوضي. فصانع سيارات صيني أو ياباني أو أمريكي أو كوري، مثلاً، لا يملك سبباً كبيراً لقبول حقوق مرتفعة إذا كان منافسه الأوروبي يستطيع بيع المنتج نفسه بحقوق مخفضة أو معدومة. ولذلك، قلّصت التنازلات المقدمة للأوروبيين جزءاً من الهامش التعريفي الذي كانت الجزائر تملكه في مفاوضات جنيف.
لكنها لا تفسر وحدها فشل مسار الانضمام.
فالطلب الجزائري يعود إلى 1987، أي قبل توقيع اتفاق فالنسيا بخمسة عشر عاماً. وفي آخر اجتماع كبير لمجموعة العمل في مارس 2014، ظلت المفاوضات تدور حول القيود الكمية على الواردات، والاستثمار، والدعم، والمؤسسات العمومية، وسياسات الأسعار، وحقوق ممارسة التجارة، والفلاحة. لقد عقّد الاتفاق الأوروبي مفاوضات كانت، في الأصل، تتجاوز بكثير مسألة الحقوق الجمركية وحدها.
صدمة النفط في 2014
بلغت الصادرات الأوروبية إلى الجزائر 22.9 مليار يورو في 2014، وهو أعلى مستوى لها في السلسلة المحسوبة على أساس الدول السبع والعشرين الحالية. وفي السنة نفسها، بدأت أسعار النفط في الانخفاض.
وتراجعت الصادرات الجزائرية إلى الاتحاد الأوروبي من 25.3 مليار يورو في 2014 إلى 18.5 ملياراً في 2015، ثم إلى 15.7 ملياراً في 2016. وتحولت الجزائر إلى تسجيل عجز في تجارتها مع الدول السبع والعشرين. وبلغ العجز نحو 3.4 مليارات يورو في 2015، ثم 4.2 مليارات في 2016.
حدث هذا التحول من دون أي تعديل في الاتفاق. وكان انهيار عائدات الطاقة كافياً لقلب الميزان التجاري.
وبدأت الواردات هي الأخرى في التراجع. وسعت الجزائر إلى الحفاظ على احتياطاتها من الصرف، فوسعت العمل برخص الاستيراد والقيود الكمية على الواردات والحظر وغيرها من الإجراءات الإدارية.
وتربط المفوضية الأوروبية عودة الجزائر لاحقاً إلى الفائض بارتفاع أسعار المحروقات من جديد، وبالقيود التي فرضتها الجزائر ابتداء من 2016. وظلت المحروقات تمثل 96 في المئة من صادرات الجزائر إلى الاتحاد في 2018.
وفي أوت 2015، طلبت الجزائر رسمياً إجراء تقييم جديد للاتفاق.
وشملت المناقشات التي جرت في 2016 هذه المرة العلاقة بأكملها. وانتهت في مارس 2017 إلى اعتماد أولويات الشراكة، حيث جاورت التجارةَ ملفاتُ الحوار السياسي، ودولة القانون، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والطاقة، والبيئة، والأمن، والهجرة، والتنقل.
لكن المراجعة التي طلبتها الجزائر لم تؤد إلى اتفاق تجاري جديد. فقد أبقى الطرفان على النص وحاولا توسيع مجالات الشراكة. وظهرت الصدمة النفطية في أولوياتهما المشتركة سبباً لتسريع الاستثمار المنتج والتنويع الاقتصادي.
ما تزال أوروبا تعرف ماذا تبيع للجزائر. وما تزال الجزائر تبحث عما يمكن أن تبيعه لأوروبا خارج الطاقة.
بعد عشرين عاماً، لا يزال الغاز يدفع الفاتورة
يسمح الحجم الذي بلغته العلاقة التجارية بقياس ما مثله الاتفاق فعلياً.
فبين 2005 و2025، وعلى أساس ثابت للدول السبع والعشرين التي يتكون منها الاتحاد الأوروبي اليوم، بلغت مبادلات السلع مع الجزائر نحو 828 مليار يورو بالقيمة الجارية.
صدّرت الجزائر إلى الدول السبع والعشرين ما يقارب 487 مليار يورو. وفي الاتجاه الآخر، باعت المؤسسات الأوروبية للجزائر سلعاً بنحو 341 مليار يورو. ويقترب الفائض التراكمي من 146 مليار يورو لصالح الجزائر.
وعلى امتداد الفترة كلها، ظلت الجزائر تحقق فائضاً كبيراً. غير أن طبيعة هذا الفائض تقلل من دلالته. ففي 2025، باعت الجزائر للاتحاد الأوروبي سلعاً بقيمة 26.5 مليار يورو، واشترت منه بـ16.9 ملياراً، محققة فائضاً يقارب 9.6 مليارات يورو. ومن أصل 26.5 مليار يورو من السلع التي اشتراها الاتحاد من الجزائر، كانت 24.7 ملياراً منتجات معدنية، أي 93.2 في المئة. وخارج المنتجات المعدنية، تنخفض الصادرات الجزائرية إلى أقل من ملياري يورو.
وفي الوقت نفسه، باع الاتحاد الأوروبي للجزائر آلات وتجهيزات بقيمة 6.4 مليارات يورو، ومنتجات كيميائية بقيمة ثلاثة مليارات، ونحو ثلاثة مليارات أخرى من المنتجات الفلاحية والغذائية. وعند استبعاد المحروقات، يتجاوز العجز الجزائري 14 مليار يورو في 2025.
ولم تتغير البنية كثيراً منذ السنوات الأولى للاتفاق. فقد كانت المحروقات تمثل 97 في المئة من المبيعات الجزائرية إلى أوروبا في حدود 2010. وظلت تمثل 96 في المئة في 2018 و2019، وما تزال حصتها تتجاوز 93 في المئة في 2025.
علاقة أوروبية تتركز في ثلاثة بلدان
العلاقة مع الاتحاد الأوروبي شديدة التركّز جغرافياً.
في 2025، كانت إيطاليا الشريك الأوروبي الأول للجزائر، بمبادلات بلغت نحو 13 مليار يورو. صدّرت الجزائر إليها بـ9.8 مليارات يورو، واستوردت منها بـ3.2 مليارات.
وجاءت فرنسا بعدها بنحو 9.3 مليارات يورو من المبادلات. صدّرت الجزائر إليها بـ5.1 مليارات يورو، واستوردت منها بـ4.2 مليارات.
أما إسبانيا، فبلغ حجم المبادلات معها نحو 8.4 مليارات يورو، منها 6.3 مليارات من الصادرات الجزائرية.
وتستحوذ هذه البلدان الثلاثة على أكثر من 70 في المئة من التجارة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، وعلى قرابة 80 في المئة من صادرات الجزائر إلى الدول السبع والعشرين.
وتحتل ألمانيا موقعاً مختلفاً. فهي تشتري من الجزائر سلعاً بنحو 1.2 مليار يورو، لكنها تبيع لها بـ2.1 مليار. وتظل علاقتها بالجزائر مطبوعة أساساً بدورها كمورّد صناعي.
عزز الاتفاق محاور تجارية عزز الاتفاق محاور تجارية قائمة منذ زمن، من دون أن يغيّر جغرافيتها بصورة عميقة.
الحماية تعود بوسائل أخرى
يُظهر انخفاض الواردات بعد 2014 أن التفكيك التدريجي للرسوم الجمركية لم يلغ قدرة الدولة على تقييد دخول السلع إلى السوق الجزائرية.
فقد انخفضت المبيعات الأوروبية من قرابة 22.9 مليار يورو في 2014 إلى 13.5 ملياراً في 2020. ثم عادت إلى الارتفاع لتبلغ 16.9 ملياراً في 2025، أي إنها بقيت أقل بنحو 26 في المئة من ذروتها.
وتعزو المفوضية الأوروبية جزءاً من هذا الانكماش إلى القيود التي أدخلتها الجزائر. وفتحت في 2020 أول إجراء لتسوية النزاع بشأن تدابير اعتمدتها الجزائر منذ 2015. ثم أطلقت إجراء جديداً في جوان 2024 ضد قيود وُضعت ابتداء من 2021.
وتعترض بروكسل خصوصاً على تراخيص الاستيراد، وبعض شروط الإدماج المحلي، والقيود المفروضة على المؤسسات المستوردة، وعدة إجراءات حظر تخص منتجات معينة.
ولم تفض المشاورات إلى نتيجة. وفي جويلية 2025، طلب الاتحاد الأوروبي تشكيل هيئة تحكيم.
منطقة التبادل الحر قائمة من الناحية القانونية، وتعتبر بروكسل أن التفكيك الجمركي الذي كان مقرراً استكماله في 2020 قد أُنجز عملياً. لكن جزءاً من الحماية التي أزيلت عند الحدود عاد عبر الإجراءات الإدارية والقيود على الاستيراد والسياسات الداعمة للإنتاج المحلي.
اختلال في الاتفاق، لا تفريط في السوق
كانت التنازلات الجمركية التي جرى التفاوض عليها في مطلع سنوات الألفين أكبر بوضوح من الجانب الجزائري. فسوق صناعية محمية برسوم تتجاوز 20 في المئة انفتحت تدريجياً أمام اقتصاد أوروبي كان يتمتع أصلاً بقدرة تنافسية عالية. ولم يكن لدى الاتحاد الأوروبي الكثير ليتنازل عنه، لأن رسومه الجمركية على المنتجات الصناعية الجزائرية كانت أصلاً قريبة من الصفر، ولأن النفط والغاز كانا يهيمنان على الصادرات الجزائرية.
كما أدى هذا الانفتاح إلى تقليص جزء من هامش مناورة الجزائر في مفاوضاتها التجارية مع شركاء آخرين.
لكن الاتفاق منح الجزائر فترة طويلة للتكيف: اثنتا عشرة سنة في صيغته الأصلية، وصلت إلى خمس عشرة سنة بعد إعادة التفاوض في 2012 بالنسبة إلى عدة منتجات. كما تضمن بنود حماية، ومنح الفلاحة حماية أكبر، وأتاح مراجعة بعض الرزنامات. وقد استخدمت الجزائر هذه الآليات.
ويُظهر قانون المالية التكميلي لسنة 2009، ثم القيود التي اعتُمدت بعد الصدمة النفطية، أن التفكيك الجمركي لم يسلب الدولة جميع أدوات التحكم.
كان يفترض أن يجذب الانفتاح الاستثمار، وأن يعرّض المنتجين الجزائريين تدريجياً للمنافسة، وأن يسمح للمؤسسات المحلية بالاستفادة من نفاذها التفضيلي إلى السوق الأوروبية.
لكن التقييم الأوروبي الصادر في 2021 خلص إلى أن الجزائر هي البلد الوحيد من بين ستة شركاء متوسطيين شملتهم الدراسة لم تتحسن لديه مؤشرات تنويع الصادرات وتعقيدها بعد دخول اتفاقات الشراكة الأورو-متوسطية حيز التنفيذ.
أوروبا من دون التنويع
لا يزال نحو نصف التجارة الخارجية الجزائرية يتم مع الاتحاد الأوروبي. ففي 2025، مثّل الاتحاد 49.6 في المئة من إجمالي مبادلات البلاد. لقد تحقق فعلاً ذلك الترسيخ الاقتصادي الذي كان مطلوباً في مطلع سنوات الألفين، لكنه لم يترافق مع تحول مماثل في الجهاز الإنتاجي.
انخفضت الحقوق الجمركية الجزائرية على المنتجات الصناعية الأوروبية من قرابة 22 في المئة إلى نحو 6 في المئة خلال العقد الأول. وضاعفت المؤسسات الأوروبية مبيعاتها بأكثر من مرتين قبل الصدمة النفطية. وفي المقابل، حافظت الجزائر على فائض تجاري تراكمي كبير بفضل النفط والغاز، لكنها لم تنجح خلال الفترة الانتقالية في بناء جهاز تصديري قادر على تحويل النفاذ التفضيلي إلى السوق الأوروبية إلى تنويع مستدام.
كان بإمكان الاتفاق أن يحمي الصناعة خمس عشرة سنة. لكنه لم يكن يستطيع أن يصنعها.