جار التحميل ...

تحديث متسارع للخطوط الجوية الجزائرية تحت عبء مالي ثقيل

تكثّف الخطوط الجوية الجزائرية طلباتها من الطائرات وتعيد هيكلة نطاق نشاطها، من النقل الداخلي إلى الرحلات طويلة المدى. وخلف هذا التحديث الظاهر، يبرز رهان تجاري ومالي بمليارات الدولارات لشركة لا تزال هامشية في هرم النقل الجوي العالمي.


تتباين سرية البيانات الصحفية مع حجم التحول الجاري، إذ كثّفت الخطوط الجوية الجزائرية خلال عامين طلباتها من الطائرات، واضعةً أسس تحول تدريجي لأسطولها، بل ولنموذجها الاقتصادي على نطاق أوسع. وبين الطائرات ذات الممر الواحد المحسّنة والطائرات عريضة البدن من الجيل الجديد، يبدو أن الشركة الوطنية تسعى إلى التوفيق بين الانضباط التشغيلي والانفتاح الدولي.

أحدث حلقة في هذا المسار، والتي أعلنت عنها وكالة الأنباء الجزائرية يوم الخميس، تتعلق باقتناء عشر طائرات من طراز بوينغ 737 ماكس 8. ومن المقرر أن تبدأ عمليات التسليم ابتداءً من جويلية 2026، مع تسلّم خمس طائرات في السنة الأولى وخمس أخرى في عام 2027. ويعكس هذا الجدول المتدرج مقاربة تهدف إلى تعزيز القدرات دون الإخلال بالتوازنات المالية.

هذه الطائرات، القادرة على نقل ما بين 160 و180 راكبًا حسب التهيئة، تمثل العمود الفقري لنشاط الرحلات القصيرة والمتوسطة. وتكمن ميزتها الأساسية في كفاءتها الطاقوية. فكما هو الحال مع كامل عائلة 737 ماكس التابعة لبوينغ، تتيح هذه الطائرات خفض استهلاك الوقود والانبعاثات بنحو 20٪ مقارنة بالأجيال السابقة. وفي قطاع يشكل فيه الوقود ما يصل إلى ثلث تكاليف التشغيل، يمثل ذلك عاملاً حاسماً.

تندرج هذه الصفقة في سياق اتفاق أولي أُعلن عنه خلال معرض لوبورجيه في جوان 2023، وشمل ثماني طائرات 737-9، وهي نسخة ممددة يمكنها نقل ما يصل إلى 193 راكبًا لمسافات تقارب 6000 كيلومتر. ويُضاف إلى ذلك مذكرة تفاهم لاقتناء طائرتي شحن من طراز 737-800 معدلتين، قادرتين على نقل نحو 23.9 طن لمسافة 3750 كيلومترًا. ويعكس ذلك توجهاً نحو تكثيف الخطوط الحالية، مع هيكلة نشاط الشحن الذي لا يزال في بداياته.

تكلفة البرنامج

تتمحور إعادة التموضع الحقيقية حول فئة الطائرات عريضة البدن. فقد أكدت الشركة في الوقت نفسه طلبًا لشراء سبع طائرات طويلة المدى من إيرباص، كانت موزعة في البداية بين A330neo وA350-1000 . غير أن هذا التوزيع خضع للمراجعة لاحقًا، إذ اختارت الخطوط الجوية الجزائرية في النهاية أسطولًا موحدًا من عشر طائرات A330neo، متخلية عن خيارA350.

تستطيع طائرة A330neo قطع مسافات تصل إلى 13 ألف كيلومتر، وهي موجهة للرحلات الطويلة ذات الكثافة المتوسطة، مع تموضع أكثر مرونة من حيث تكاليف التشغيل. ويعكس هذا الخيار تحكيمًا لصالح ترشيد الأسطول وضبط التكاليف، على حساب التوسع الفوري نحو الرحلات فائقة الطول.

تشير إيرباص إلى أن هذه الطائرة تحقق وفورات في استهلاك الوقود تصل إلى نحو 25٪ لكل مقعد، وهي مزودة بمحركات رولز رويس Trent 7000. كما يُطرح عامل الجذب التجاري المرتبط بمقصورة «Airspace»، لما توفره من راحة معززة ومساحة فردية أكبر وتجهيزات ترفيه متطورة.

لم يعد هذا التصعيد مجرد تخطيط. فقد بدأت الخطوط الجوية الجزائرية بالفعل في استلام طائراتها طويلة المدى الجديدة، مع تسلم ثلاث طائرات Airbus A330-900neo بين 2025 وبداية 2026 — «نوفمبر 54» و«غارا جبيلات» و«يناير». ومن المنتظر تسلم طائرة رابعة في مارس 2026.

لم تُعلن التكلفة الإجمالية لهذا التحديث بشكل مفصل، لكن حجم البرنامج معروف: إذ يستند تمويله إلى قرض قدره 268 مليار دينار (أكثر من ملياري دولار)، وفقًا لتقرير مجلس المحاسبة المتعلق بمشروع قانون تسوية الميزانية لسنة 2023، والممنوح عبر الصندوق الوطني للاستثمار.

وبحسب الأسعار المرجعية المعتمدة في القطاع، يبلغ سعر طائرة بوينغ 737 ماكس 8 نحو 120 مليون دولار، و737-9 أكثر من 130 مليون دولار. أما الطائرات عريضة البدن، فيقارب سعر A330neo نحو 300 مليون دولار. وحتى مع احتساب الخصومات الكبيرة التي تُمنح عادة — والتي تتراوح بين 40٪ و60٪ — يبقى حجم الالتزام المالي كبيرًا.

غير أن هذا الاستثمار يندرج ضمن مسار مالي متقلب. فبعد ثلاث سنوات من الخسائر، عادت الخطوط الجوية الجزائرية إلى تحقيق الأرباح في 2023، مسجلة صافي ربح قدره 11.27 مليار دينار مقابل رقم أعمال بلغ 156.9 مليار دينار، بزيادة 30٪ على أساس سنوي. غير أن هذا التعافي يقوم على مستوى مرتفع من المديونية: إذ تبلغ الديون 246 مليار دينار، أي أكثر من مرة ونصف من الإيرادات السنوية، ونحو أربعة أضعاف الأموال الخاصة. وبعبارة أخرى، استعادت الشركة الربحية، لكن ضمن وضع مالي مُقيَّد، في سوق لا يزال محميًا ويعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات بالعملة الصعبة.

ويصبح هذا الرهان المالي أكثر تطلبًا بالنسبة لشركة متوسطة الحجم، إذ يزيد ميكانيكيًا الضغط على الربحية كلما دخلت الطائرات الجديدة الخدمة.

اختبار نسب الامتلاء

في الظاهر، تبدو هذه البيانات مجرد تحديث لأسطول متقادم. لكنها، في الواقع، تكشف عن إعادة هيكلة أكثر طموحًا. فمن جهة، تهدف الطائرات ذات الممر الواحد إلى تعزيز القاعدة الاقتصادية للشركة، التي يهيمن عليها الربط مع أوروبا — وخاصة فرنسا — إلى جانب النقل الداخلي. ومن جهة أخرى، تتيح الطائرات عريضة البدن إمكانية استقطاب جزء من التدفقات العابرة للقارات التي تمر حاليًا عبر مراكز عبور أجنبية، لا سيما التابعة للخطوط الجوية التركية أو شركات الخليج.

وفي السياق ذاته، لا تقتصر إعادة هيكلة القطاع الجوي الوطني على الأسطول. فقد شكل نقل شركة طاسيلي للطيران، التي كانت مملوكة لسوناطراك، إلى الخطوط الجوية الجزائرية خطوة إضافية في إعادة تنظيم النقل الجوي. وقد تقرر هذا الإجراء من قبل السلطات وتمت صياغته في جوان 2025، بهدف وضع أسس كيان جديد مخصص للنقل الداخلي، اعتمادًا على أسطول يضم 15 طائرة — منها سبع طائرات بوينغ 737-800 NG وعدة طائرات توربينية من طرازDash 8 . وتعكس هذه العملية، إلى جانب بعدها التجاري، توجهاً نحو تركيز القرار وتكريس التخصص، بهدف تحسين الخدمة الداخلية وتحرير الخطوط الجوية الجزائرية لتركيز جهودها على طموحاتها الدولية.

وقد امتد برنامج التحديث إلى النقل الداخلي. فبعد استحواذها على طاسيلي للطيران وإعادة تسميتها إلى Domestic Airlines، وقعت الخطوط الجوية الجزائرية جويلية 2025 اتفاقًا مع ATR لاقتناء 16 طائرة مخصصة لهذه الشركة الفرعية. ومن المنتظر بدء تسليم هذه الطائرات اعتبارًا من 2026، لتكمل أسطولًا أوليًا من 15 طائرة موروثة عن طاسيلي، يضم طائرات بوينغ 737-800 وطائراتDash 8 . ويهدف هذا كله إلى بناء عرض مخصص للنقل الداخلي، وهو قطاع تاريخيًا ضعيف الربحية لكنه ذو بعد اجتماعي من حيث تهيئة الإقليم. ومن خلال تركيز مواردها في هذا الفرع، تفصل الشركة بين أنشطتها، بين نقل داخلي وشبكة دولية في توسع.

هذه الاستراتيجية ذات المستويين — تحسين إقليمي وتوسع انتقائي — ليست جديدة في قطاع الطيران، لكنها تتطلب تنفيذًا دقيقًا. فحتى وإن كانت مكاسب استهلاك الوقود (20٪ لطائرات 737 ماكس و25٪ لطائراتA330neo ) تحسن تكلفة المقعد، فإنها لا تكفي لضمان الربحية، التي تبقى مرتبطة بعامل أكثر تقلبًا وهو نسبة ملء الطائرات.

وهنا يبقى النقل طويل المدى رهانًا. فحجم الاستثمارات كبير، ودورات الطلب متقلبة، والمنافسة شديدة. وفي مواجهة فاعلين راسخين يمتلكون مراكز عبور قوية وشبكات تحالف واسعة، سيتعين على الخطوط الجوية الجزائرية إثبات قدرتها على بناء عرض متماسك، يتجاوز مجرد اقتناء الطائرات.

الخطوط الجوية الجزائرية: لاعب على هامش السوق العالمية

يكشف التوازن بين بوينغ وإيرباص أيضًا عن بعد سياسي. فمن خلال توزيع طلباتها بين العملاقين، تحافظ الجزائر على شكل من أشكال الحياد الاستراتيجي، متفادية الاعتماد المفرط على مورد واحد، ومنخرطة في منطق تنويع الشراكات.

غير أن وثائق إيرباص تكشف، من خلال صمتها حيال هذه العقود، المكانة الهامشية للخطوط الجوية الجزائرية في الاقتصاد العالمي للنقل الجوي. فهي ليست مدرجة ضمن العقود الكبرى، ولا تُصنف كسوق استراتيجية. وفي قطاع تهيمن عليه مراكز العبور الآسيوية وشركات الخليج وكبريات الشركات الغربية، تحدد إيرباص أولوياتها وفق حجم الطلب والملاءة المالية ونفوذ الزبائن.

كما أن تقارير بوينغ، التي لا تذكر الشركة الوطنية بدورها، تقدم تأكيدًا إضافيًا على ذلك. ففي سياق دفاتر طلبات مشبعة وقدرات صناعية مضغوطة، يفضل المصنعون شركاءهم الهيكليين. وهكذا، تتحرك الخطوط الجوية الجزائرية على هامش النظام: زبون، ولكن دون قدرة على التأثير في الجداول الزمنية أو الشروط أو التحكيمات الصناعية.

في المحصلة، تنخرط الشركة الوطنية في تحول تدريجي دون قطيعة صريحة. فاقتناء عشر طائرات 737 ماكس 8 وثماني طائرات 737-9 وعشر طائرات عريضة البدن لا يكفي لتغيير الحجم بين ليلة وضحاها. لكنه يشكل قاعدة ملموسة لتحسين الأداء التشغيلي واختبار طموحات جديدة.

غير أن الطائرات لا تصنع استراتيجية بحد ذاتها. بل هي شرط لها. وتعتمد فعاليتها على القدرة على إدماجها ضمن شبكة ونموذج اقتصادي وانضباط تشغيلي. وبالنسبة للخطوط الجوية الجزائرية، لم يعد التحدي في شراء الطائرات، بل في إثبات قدرتها على تحقيق ربحية مستدامة منها، في سوق يجب فيه أن يجد كل مقعد من يشغله.