دعا الرئيس شي جين بينغ في خطاب ألقاه بمناسبة زيارة دونالد ترامب إلى بكين في شهر ماي الماضي، الولايات المتحدة إلى عدم الوقوع في «فخ ثوقيديدس»، مذكّرًا بأن اندلاع الحرب بين قوة آخذة في التراجع وقوة صاعدة ليس أمرًا حتميًا.
وعند عودته إلى واشنطن، ردّ ترامب على منصته «تروث سوشال» قائلاً إن الولايات المتحدة كانت في حالة تراجع في ظل إدارة بايدن، لكنها لم تكن كذلك في ظل إدارته. ومن خلال هذه التغريدة المقتضبة، أظهر ترامب أنه لم يفهم ما قصده شي جين بينغ، وأنه لم يسمع من قبل بثوقيديدس، المؤرخ اليوناني القديم.
وكان الرئيس الصيني يقصد أن الولايات المتحدة فقدت احتكارها للهيمنة العالمية، وأن السعي إلى استعادة هذه الهيمنة عن طريق الحرب سيكون أمرًا خطيرًا. كما دعا الأمريكيين إلى تقبّل التحول في التوازن الجيوسياسي العالمي لصالح الصين، وحصر المنافسة بين القوتين في المجال الاقتصادي.
ويُعدّ التنافس المتصاعد بين البلدين تعبيرًا عن تحوّل في ميزان القوى الجيوسياسي العالمي، حيث لم تعد الهيمنة الأمريكية كما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية. ومن المفارقات أن الولايات المتحدة أصبحت، إلى حدّ ما، ضحيةً للقوانين الصارمة للرأسمالية التي مثّلت أبرز تجلياتها على مدى قرن كامل.
لقد أضعفتهم هذه القوانين التي دافعوا عنها في إطار تقسيم دولي للعمل أدمج مناطق هامشية كانت تعاني سابقًا من تخلف بنيوي مزمن. فعندما جرى إدماج الصين في مسار العولمة، كان رأس المال الدولي يأمل في تحقيق هدفين في آنٍ واحد: الإنتاج بتكاليف أجور منخفضة، وفي الوقت نفسه التمركز داخل سوق تضم أكثر من مليار مستهلك محتمل.
وبعد ثلاثين عامًا، أدرك الغربيون أنهم ساهموا بأنفسهم في بروز منافس قوي يتحداهم في ميدان تفوقهم التقليدي، أي الاقتصاد، وأن هذا المنافس يشكل تهديدًا لمصالحهم الاستراتيجية يفوق بكثير ذلك الذي تمثله روسيا.
آثار إدماج الصين في التقسيم الدولي للعمل
ابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين، نقلت الشركات الأمريكية جزءًا من أنشطتها الإنتاجية إلى الصين وإلى بلدان أخرى في الجنوب، معتبرةً أن أجور العمال الأمريكيين أصبحت مرتفعة للغاية. واختارت تزويد السوق الأمريكية بمنتجات تُصنَّع في الصين والمكسيك وفيتنام وغيرها.
وقد مثّلت العولمة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ظاهرة واسعة النطاق لنقل مواقع الإنتاج، خضعت لمقتضيات الربحية التي يفرضها رأس المال المالي. وشجّعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، الجمهورية منها والديمقراطية، هذا التوجه، على أساس الاعتقاد بأن الصين، التي كانت تصنع الجينز والدمى للسوق الأمريكية، ستكتسب قوة شرائية تمكّنها لاحقًا من شراء سلع ذات قيمة مضافة عالية مثل طائرات بوينغ وحواسيب HP.
غير أن الصين شاركت في هذه العملية بطريقة مختلفة، إذ عملت بالتوازي على الارتقاء في سلاسل الإنتاج واكتساب الخبرات التقنية التي تمتلكها الشركات الأجنبية. وقد خرّجت جامعاتها مئات الآلاف من المهندسين والإطارات الذين زوّدوا مصانع التسعينيات بمختبرات بحث وتطوير، فحوّلوها إلى وحدات إنتاج مبتكرة.
وخلال عقدين فقط، تمكنت الصين من إتقان التقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والطاقة والروبوتات والمواد المتقدمة والتكنولوجيا الحيوية. وأصبحت مراكز البحث والتطوير الصينية تضاهي نظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة، مما أنهى حالة التبعية التكنولوجية.
وبحلول عام 2015، أصبحت الصين، من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم. ولم يشهد التاريخ من قبل عملية تنمية اقتصادية بهذه السرعة وبهذا الحجم.
فالتراكم الأولي لرأس المال في إنجلترا وفرنسا، الذي مهّد للتطور الصناعي فيهما، استغرق قرنين كاملين، استطاع البلدان خلالهما أن يفرضا نفسيهما قوتين اقتصاديتين عالميتين.
وقد أثار النمو السريع للصين قلق الولايات المتحدة، لأنه بات يشكّل تحديًا مباشراً لهيمنتها، ولا سيما في آسيا وأمريكا اللاتينية، حيث أصبحت «عقيدة مونرو» أقل فاعلية مما كانت عليه في السابق.
وهكذا، حلّت المنافسة السياسية والاقتصادية بين الغرب والصين محلّ المواجهة العسكرية والأيديولوجية التي كانت قائمة بعد الحرب العالمية الثانية بين الغرب الرأسمالي والكتلة الشيوعية. ويبدو أن الصين قد أتقنت قواعد المنافسة الرأسمالية، وأصبحت تتحدى الدول الغربية في الميدان الذي كانت هذه الأخيرة تُظهر فيه تفوقها، أي ميدان الاقتصاد.
لقد استفاد الصينيون من التناقضات الكامنة في الرأسمالية العالمية من خلال استقبال الشركات متعددة الجنسيات التي كانت تنتج من أجل الأسواق العالمية لا من أجل السوق الصينية. وتمثلت الاستراتيجية الصينية في استغلال اليد العاملة المحلية وتصدير السلع المنتجة، إلى أن يتمكن رأس المال الوطني الخاص من اكتساب الخبرة التقنية والمعرفية للشركات الأجنبية.
وراهنت الصين على الاندماج في الاقتصاد العالمي عبر تصدير السلع المصنعة والاستفادة من مزاياها النسبية. ولم تنغلق على نظام الأسعار العالمي، بل التزمت به، مع العمل في الوقت نفسه على رفع إنتاجية العمل ورأس المال لتحقيق القدرة التنافسية المطلوبة.
وكأن القرار كان يتمثل في إدماج ملايين العمال في منظومة الإنتاج الصناعي العالمية. وقد أدى ذلك إلى نشوء سوق داخلية تتمتع بطلب فعّال خاص بها، بالمعنى الذي قصده الاقتصادي جون ماينارد كينز، يواكب النمو المدفوع بالصادرات.
وتؤكد تطورات الأجور الشهرية نجاح هذه الاستراتيجية؛ إذ ارتفع متوسط الأجر من 49.5 يورو سنة 2000 إلى 81.6 يورو سنة 2011، ثم إلى 281.3 يورو سنة 2020.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الصين، رغم انفتاحها على الليبرالية الاقتصادية، رفضت النيوليبرالية التي تزيل الحدود بين السلع التجارية والسلع غير التجارية.
ففي الصين، لا تُعدّ قطاعات التعليم والصحة والنقل مجرد مصادر للربح. إذ يوفر القطاع العام ما كان الاقتصادي ألفرد مارشال يسميه «الاقتصادات الخارجية»، أي التكاليف التي تتحملها الجماعة من أجل تمكين رأس المال، العام والخاص، من تحقيق الأرباح.
وقد وفّرت الدولة هذه «الاقتصادات الخارجية» التي سمحت بازدهار الإنتاج الوطني، من خلال الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية والاتصالات والقطاع المالي. ويتميز نموذج النمو الصيني بثلاث سمات رئيسية:1. إنتاج صناعي موجّه أساسًا نحو التصدير. 2. تكوين طلب محلي فعّال نتيجة ارتفاع القدرة الشرائية لمختلف الفئات الاجتماعية. 3. وجود قطاع اقتصادي عمومي يؤدي دور «الاقتصادات الخارجية» الداعمة للنشاط الإنتاجي.
كما قبلت الصين هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، فواصلت شراء سندات الخزانة الأمريكية، وشكّلت أكبر احتياطي من العملات الأجنبية في العالم، معظمه مقوّم بالدولار الأمريكي.
الدولار والدين العام الأمريكي
لقد أُقرّ الدولار فعليًا بوصفه عملةً دولية سنة 1944 بموجب اتفاقيات بريتون وودز، غير أن هذه الاتفاقيات كانت قد ربطت قيمته بالذهب كإجراء احترازي. وكانت قابليته للتحويل إلى الذهب مضمونة بحجم احتياطي الذهب الذي يحتفظ به الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلا أن إدارة نيكسون ألغت هذه القابلية سنة 1971 لتمويل الحرب في فيتنام.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الكونغرس يوافق على نفقات عسكرية من دون أن يولي اهتمامًا لا لارتباط الدولار بالذهب ولا لتوازن ميزانية الدولة، على أمل أن يستوعب بقية العالم الفائض النقدي المتجاوز لحجم الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
ومنذ ذلك الوقت، تضاعف حجم الدولارات المتداولة مرات عديدة، ورغم التقلبات الدورية التي عرفها الاقتصاد، حافظت العملة الأمريكية على قوتها ومصداقيتها بفضل اقتصاد أمريكي كان في حالة توسع مستمر ولم يكن له منافس مكافئ في الحجم خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وعندما وقعت الصدمتان النفطيتان عامي 1973 و1979، ازداد الطلب على الدولار نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات. فقد كانت الولايات المتحدة ودول الخليج الملكية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، قد توصلت إلى تفاهم غير معلن يقضي بتسعير مبيعات النفط والغاز بالدولار الأمريكي.
وهكذا نشأ ما يُعرف بـ«البترودولار»، الذي اندمج في المنظومة المالية الأمريكية، وكأن الناتج المحلي الإجمالي للدول الخليجية قد أُضيف إلى الناتج الأمريكي ليمنح الدولار شرعية وقوة دوليتين أكبر.
ومع ذلك، كان الدولار يتعرض أحيانًا للتراجع في قيمته، الأمر الذي كانت له انعكاسات على موازين التجارة الخارجية لجميع دول العالم. وعندما اشتكى أحد المتحاورين مع جون كونالي، وزير الخزانة في عهد إدارة نيكسون، من هذا الأمر، أجابه قائلاً: «الدولار هو عملتنا، لكنه مشكلتكم أنتم».
وكان ذلك خلال سبعينيات القرن العشرين، حين كان الخصم الرئيسي للولايات المتحدة، أي الاتحاد السوفييتي، في وضع دفاعي، وكانت الصين لا تزال بلداً متخلفًا اقتصاديًا، كما أن قادة العالم الثالث كانوا قد فقدوا الكثير من حماسهم الثوري.
في تلك المرحلة، كانت الإمبراطورية الأمريكية في ذروة قوتها، وكان الدولار يتربع على عرش النظام المالي العالمي، متجسدًا في بورصة نيويورك التي كانت تتبعها وتقتدي بها أسواق لندن وفرانكفورت وباريس وطوكيو وغيرها. وكان النفوذ الناعم للدولار كافيًا لفرض ما عُرف بـ«توافق واشنطن» الذي جمع بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، وهو توافق لم تكن الدول الأخرى قادرة على مقاومته.
غير أن سؤالًا يفرض نفسه، وينبغي للاقتصاديين أن يولوه اهتمامًا: أليست كمية الدولارات المتداولة في العالم أكبر من أن تتناسب مع حجم الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي؟ فالعملة الوطنية تنتمي في الأصل إلى سوق داخلية، حيث تؤدي وظيفة تحقيق التوازن النقدي بين العرض والطلب على السلع والخدمات.
عندما تتحول عملة وطنية إلى عملة دولية، فإنها تمنح الدولة المُصدِرة لها شعورًا مضلِّلًا بوفرة المال وسهولة الحصول عليه. وكأن هناك ما يمكن تسميته «متلازمة العملة الدولية»، وهي ظاهرة قد تؤدي في النهاية إلى إضعاف تلك العملة أو فقدانها مكانتها العالمية، كما حدث للجنيه الإسترليني البريطاني الذي توقف عن أداء دور العملة الدولية بعد سنة 1929.
على الاقتصاديين اختبار فرضية مفادها أن فائض الدولارات المتداولة، الذي لا يستطيع الاقتصاد الحقيقي ولا الاقتصاد المالي الافتراضي المتمثل في وول ستريت استيعابه، يتحول إلى ودائع مصرفية تُسهم في تمويل الجزء الأكبر من الدين العام الأمريكي.
فبعض رؤوس الأموال، عندما لا تجد استثمارات إنتاجية تستقطبها، تتجه إلى سندات الخزانة الأمريكية، التي تستخدمها الحكومة لتمويل نفقاتها. كما أن جزءًا من الكتلة الدولارية المتداولة يعود إلى مشاريع وقرارات سياسية أقرها الكونغرس، لا إلى حاجات اقتصادية فعلية.
ويُعدّ هذا أحد العوامل التي ساهمت في تضخم الدين العام الأمريكي، الذي ارتفع من 500 مليار دولار سنة 1976 إلى 39 تريليون دولار سنة 2025. ووفقًا لتوقعات مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO)، سيصل هذا الدين إلى 54 تريليون دولار بحلول سنة 2034.
ونتيجة لذلك، يواصل الدين العام الارتفاع، ومعه ترتفع تكلفة خدمته. فقد بلغت مدفوعات خدمة الدين سنة 2025 نحو تريليون دولار، أي ما يعادل 14٪ من ميزانية الحكومة الفيدرالية، متجاوزةً ميزانية وزارة الدفاع نفسها.
وإذا أُضيف إلى ذلك العجز في الموازنة العامة، الذي بلغ 1.833 تريليون دولار، والعجز في الميزان التجاري الذي وصل إلى 918.4 مليار دولار سنة 2024، يصبح من السهل الاستنتاج أن الأمريكيين يعيشون فوق إمكاناتهم الاقتصادية. فهم يستهلكون، من حيث القيمة، أكثر مما ينتجون من سلع وخدمات خلال سنة واحدة.
ويصبح ذلك ممكنًا لأن الولايات المتحدة ليست مضطرة إلى اقتناء العملات الأجنبية لتمويل معاملاتها الخارجية، طالما أن عملتها هي العملة الدولية الرئيسية. وإذا كانت فرضية «متلازمة العملة الدولية» صحيحة، فإن من مصلحة الأمريكيين إعادة النظر في قرار إدارة نيكسون القاضي بتعليق قابلية تحويل الدولار إلى الذهب.
ويظل النقاش حول الدين العام حاضرًا باستمرار داخل الكونغرس، حيث تطرح التيارات السياسية المختلفة حلولًا متعارضة. فالجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، الذي يمثله سياسيون مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، يدعو إلى فرض مساهمة أكبر على الشركات الكبرى والأثرياء لسداد الدين. أما الجمهوريون فيقترحون تقليص الإنفاق الاجتماعي المخصص للتعليم والخدمات العامة ومساعدة الفقراء وبرنامج القسائم الغذائية (Food Stamps)، إضافة إلى برنامجي «ميديكير» و«ميديكيد» للرعاية الصحية المجانية الموجهة أساسًا لكبار السن ومنخفضي الدخل.
ومن جهته، يعتقد دونالد ترامب أنه وجد حلاً يسمح له بعدم خسارة الأثرياء الذين يمولون حزبه ولا قاعدته الانتخابية التي تضم عددًا كبيرًا من البيض ذوي الدخل المحدود، وذلك من خلال فرض رسوم جمركية على الواردات. غير أن هذا الإجراء يثير جدلًا واسعًا، لأنه لا يساهم فقط في رفع معدلات التضخم، بل قد يؤدي أيضًا إلى إجراءات انتقامية من الدول الأخرى، وهو ما تخشاه الشركات الأمريكية المصدِّرة للسلع والخدمات.
ومع هذا الحجم الهائل من الدين العام، قد تجد الدولة الأمريكية نفسها في وضع يشبه العجز عن السداد، وهو ما قد يهدد استقرار النظام المالي العالمي بأسره.
في دراسة[1] للحروب الأوروبية بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، لاحظ الباحث الأمريكي نيال فيرغسون أن الحروب غالبًا ما تندلع عندما تتجاوز كلفة خدمة الدين العام حجم الإنفاق العسكري للدولة.
هل يمكن أن يكون هذا هو تفسير تغيير اسم وزارة الدفاع، التي باتت إدارة ترامب تسميها «وزارة الحرب»؟ وهل تستعد الولايات المتحدة لإعلان الحرب على كندا والدنمارك من أجل ضم أراضيهما، وتخفيف عبء الدين العام، ومواجهة الصين في ظروف مالية أكثر ملاءمة؟
بروز القوة الاقتصادية الصينية
كان التطور الاقتصادي للصين، في نظر قادتها، ضرورة جيوسياسية في منطقة كان فيها ازدهار اليابان والانطلاقة الاقتصادية لكوريا الجنوبية وتايوان، وهي ثلاثة بلدان حليفة للولايات المتحدة، يُشكّل تهديدًا وجوديًا للحزب الشيوعي الصيني.
فقد كانت كوريا الجنوبية وتايوان، بفضل جذب الاستثمارات الأمريكية، تتطوران، على عكس كوريا الشمالية والصين القارية اللتين كانتا تواجهان الفقر. وكان على بكين أن تتخلى عن الاقتصاد المُدار لتفادي الانهيار الذي عرفه الاتحاد السوفيتي.
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أدرك دنغ شياو بينغ أنه على المدى المتوسط سيخسر الحزب الشيوعي السلطة إذا اتسعت الفجوة الاقتصادية مع تايوان. ولتفادي هذا الاحتمال، فرض تغييرًا جذريًا في العقيدة الاقتصادية للحزب. وقد فهم أنه لكي تكون البلاد مستقلة عن القوى الأجنبية وتمتلك جيشًا قويًا، كان لا بد من إتقان “قواعد” الاقتصاد الرأسمالي.
وبعد صراعات داخل قمة الدولة والحزب بين الإصلاحيين وحُرّاس النهج التقليدي، انتصر تيار دنغ شياو بينغ، فتم التخلي عن الاقتصاد المُدار الذي كان يخطط للكميات ويحدد أسعار السلع. وقد أدرك أن سيادة الدولة تعتمد على قوة اقتصادها وعلى ميزانها التجاري.
ولهذا الغرض صاغ مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» لإضفاء الشرعية على إدماج الصين في العولمة الرأسمالية. وكان يقول لمواطنيه: «من المجيد أن يصبح المرء غنيًا»، لكنه كان يدعوهم في الوقت نفسه إلى تحقيق ذلك على أساس العمل المنتج لا على أساس الأنشطة المضارِبة.
كانت السياسة الاقتصادية الجديدة تُوجّه رأس المال الخاص نحو الإنتاج الصناعي الموجّه للتصدير. ففي عام 1999، بلغ عدد الشركات الخاصة 1.5 مليون شركة، وهو رقم يكاد يوازي عدد الشركات العمومية الذي بلغ 1.6 مليون شركة. وبين عامي 1996 و2000، ارتفع حجم الوظائف في القطاع الخاص من 11.71 مليون إلى 24.07 مليون وظيفة.
واصل خلفاء دنغ شياو بينغ السير على نهجه، فصارت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة خلال العقد الأول من الألفية الثالثة. ولم يتوقف ناتجها الداخلي الخام عن الارتفاع منذ الإصلاحات، ليصل إلى 21 ترليون دولار في عام 2025 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، وهو ما يمثل 17.65٪ من الاقتصاد العالمي.
وللتذكير، لم يكن يمثل سوى 1.7٪ من إجمالي الاقتصاد العالمي عام 1978. وبالمقارنة، فإن الناتج الداخلي الخام للولايات المتحدة يبلغ 32 ترليون دولار، أي نحو 25٪ من الناتج العالمي. واليوم تُعدّ الصين ثاني قوة اقتصادية في العالم، ويتوقع الاقتصاديون أنها ستتجاوز الولايات المتحدة في المستقبل القريب.
من شريكٍ تجاري، أصبحت الصين اليوم الخصم العسكري الرئيسي للولايات المتحدة. ويكمن هدفها في استعادة تايوان، بعد استعادتها هونغ كونغ عام 1997، وفرض هيمنتها على منطقة الإندو-باسيفيك التي تحولت إلى ساحة تنافس استراتيجي. ومن بين ما يقلق الأمريكيين، أن تقوم الصين بترجمة قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية، خاصة وأن بكين تمتلك أكبر احتياطي من النقد الأجنبي في العالم، يُقدَّر بـ 3,442 مليار دولار.
ووفقًا لتقارير البنتاغون لعام 2020، تمتلك الصين 350 سفينة عسكرية مقابل 293 لدى البحرية الأمريكية، إضافة إلى عدد أكبر من الغواصات: 55 مقابل 53. كما تخطط الصين لامتلاك نحو ألف رأس نووي جاهز للعمل بحلول عام 2030. وفي عام 2027، يُتوقع أن يصبح الأسطول البحري الصيني مكوّنًا من 400 سفينة، تشمل حاملات طائرات ومدمرات شبحية وغواصات نووية.
ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك عددًا أكبر من الطائرات المقاتلة، فقد ضاعفت الصين ميزانيتها الدفاعية خلال ثلاثين عامًا، وهو ما لا تستطيع الولايات المتحدة مجاراته بسهولة بسبب عبء الدين العام الهائل، إلا إذا تم تقليص الإنفاق الاجتماعي مثل الصحة والتقاعد، وهو ما قد يدفع ملايين الأشخاص إلى ما دون خط الفقر.
كيف ستتفاعل الولايات المتحدة مع هذا التحدي العسكري الجديد في منطقة الإندو-باسيفيك التي كانت تهيمن عليها؟ وهل ستقع الصين والولايات المتحدة في «فخ ثوقيديدس»، أم أنهما سيتمكنان من تفاديه؟
فخ ثوقيديدس
الحرب البيلوبونيسية ، التي تناولها المؤرخ اليوناني، استمرت أكثر من ثلاثين عامًا، وجمعت بين إسبرطة وأثينا وفق منطق ما يزال يحكم العلاقات الدولية اليوم.
يُعدّ ثوقيديدس أول منظّر لاحظ أن العلاقات بين الدول تُنظَّم وفق ميزان القوة وخوف الخضوع والهيمنة. فقد كانت إسبرطة، وهي دولة محاربة وأول قوة بحرية في البحر الأبيض المتوسط في ذلك العصر، تنظر بريبة إلى أثينا التي كان صعودها يُعتبر تهديدًا وجوديًا لها.
إن الحروب بين الأمم المعاصرة تندرج ضمن الإشكالية التي صاغها ثوقيديدس قبل 2500 عام. فالتوترات التي أدت إلى الحرب بين إسبرطة وأثينا تشبه تلك التي تطبع اليوم العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، اللتين تتنافسان على الهيمنة العالمية.
هذه هي أطروحة الأكاديمي الأمريكي غراهام أليسون، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، الذي نشر عام 2018 كتابًا بعنوان «Destined for War. Can America and China escape Thucydides’s trap?».
وقد جاء هذا الكتاب نتيجة ندوة سنوية قام فيها أليسون وطلابه بتحليل 16 حالة تنافس بين دول أوروبية بين القرنين السابع عشر والعشرين. وقد لاحظوا أنه من بين 16 حالة تمت دراستها، انتهت 12 منها إلى حرب بين دولة قوية وأخرى اعتُبرت مهددة لقوتها.
ومن خلال هذا التحليل التاريخي، يستخلص أليسون ما يعتبره قانونًا وجده لدى المؤرخ اليوناني ثوقيديدس، الذي كتب: «إن صعود أثينا والخوف الذي أثارته لدى إسبرطة هو ما جعل الحرب حتمية».
ويُعدّ ثوقيديدس أول منظّر بيّن أن العلاقات بين الدول تحكمها موازين القوة وخوف الهيمنة والخضوع. فقد كانت إسبرطة، القوة العسكرية المهيمنة في اليونان، تنظر إلى أثينا بوصفها تهديدًا وجوديًا بسبب صعودها السريع.
كما أن حروب القرنين الماضيين في أوروبا، والحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين، تُفهم ضمن الإطار النظري الذي وضعه ثوقيديدس قبل 2500 عام. وهذا الإطار يشكل اليوم جوهر التنافس بين الولايات المتحدة والصين على الهيمنة العالمية. فالصين تعترض على الوجود العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا، الذي تعتبره منطقة نفوذها، وتسعى إلى استعادة تايوان التي تحظى بحماية الولايات المتحدة.
فهل ستقبل الولايات المتحدة بأن تصبح الصين القوة المهيمنة المستقبلية، أم ستلجأ إلى الحرب لمنعها من أن تصبح القوة الأولى عالميًا؟ هذا هو «فخ ثوقيديدس» الذي يتحدث عنه أليسون، والذي يأمل أن يتم تجنبه. إذ لو كانت إسبرطة وأثينا تمتلكان السلاح النووي قبل 2500 عام، لما ظهرت لاحقًا الحضارة اليونانية الرومانية ولا الحضارة المتوسطية.
[1] Niall Ferguson, « Ferguson’s Law: Debt Service, Military Spending and the Fiscal Limits of Power », History Working Paper, Hoover Institution, February 2025